فهرس الكتاب

الصفحة 19452 من 20085

قال تعالى:"لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ *وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ".. البقرة: 198 - 202.

ومن الملاحظ أن التعبير عن مناسك الحج في الآيات السابقة أخذ كلمة"الذكر"دائما ً .. حتى رمي الجمرات أسماه القرآن ذكرا ً:"وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى".. البقرة: 203.

وهي أيام التشريق .. ورمي جمرة العقبة في العيد .. فكأن المقصود من الموضوع هو الذكر الجهير لله تعالى .. وما رمي الجمرات إلا رمز.

ثم قال جل ذكره:"وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ .... وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ".. الحج: 34، 36.

يقول الشيخ الغزالي: ذكر الله هو الأساس في هذه المناسك كلها يتحول المعنى الصامت المستكين في الضمير إلى هتاف عالٍ .. كأن كل شيء يتحول إلى كون يسبح بحمد الله ويذكره.

وقال: يخيل إليَّ أن المناسك كلها أشكال غير مقصودة لذاتها .. إنما قصدت لذكر الله عندها.

فذكر الله والهتاف باسمه غاية وعمل .. ووسيلة وهدف .. وفي هذه المظاهرة التي جعلها الله ركنا في الإسلام .. وقرن بها من الفوائد النفسية والخُلقية ما لا يحصى.

والحق أن الحج كله هو هذا الهدير الموصول بذكر الله من أمواج بشرية متصلة .. لا شغل لها إلا الجؤار بالتلبية والهتاف بالتسبيح.

ثامنا ًً: الحج اهتمام بالجانب السياسي في الأمة:

إذا كان ذكر الله تعالى مقصدا ً مؤكدا ً في كل مناسك الحج .. والوحدة والقوة والتجرد والإخلاص من مقاصده الكبرى .. فإن هناك غاية عظمى أيضا ً لا يجوز إغفالها خاصة في هذا العصر الذي يوجب على المسلمين السعي نحو القوة والتوحد .. ألا وهو أنه يجب على المسلمين أن يستغلوا هذا المؤتمر العالمي غير المسبوق ولا الملحوق في معالجة ما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم.

إن الحج من الناحية الروحية إذكاء مشاعر .. وتجديد عاطفة .. ومن الناحية الاجتماعية فرصة ثمينة للتوجيهات الجامعة التي تكفل مصلحة المسلمين العليا.

ولكي ندرك ذلك ندرس كيف حج المسلمون في السنة التاسعة والسنة العاشرة للهجرة؟

في السنة التاسعة رجع الحجاج وقد تلقوا تعليمات بقطع علاقاتهم مع العابثين بمعاهداتهم ومعاملتهم بالشدة بعدما فشل اللطف معهم.

وفي السنة العاشرة وضعت تقاليد إنسانية وآداب عامة تضمنتها الخطبة الجليلة التي ألقاها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع.

واقتداء بما فعله الرسول وخلفاؤه لا يمكن إهمال الجانب السياسي من الحج أبدا ً إذ ما يصنع الحجيج بعدما يعودون إلى بلاد اعتدى عليها المجرمون واستباحوا حرماتها؟ .. أو عندما يعودون إلى بلاد كثرت فيها الفتن وماج خلالها المستضعفون.

نعم .. لا يجوز أن تترك هذه الحشود الهائلة يوم الحج الأكبر دون توجيه جامع تلقى به خصومها .. صحيح أنهم في محاريب ذكر .. وساحات تسبيح وتحميد .. وأوقات تبتل إلى الله ونشدان لرضاه .. لكن من قال: إن كسر العدو ليس عبادة؟ والسهر على هزيمتهم ليس تهجدا؟

إن صيحة الله أكبر تُفتتح بها الصلاة لينأى بها المؤمنون عن مشاغل الدنيا .. ويفتتح بها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا .. ولتجف دموع البائسين وآلام المستضعفين.

ومن هنا نفهم قول الله سبحانه للمحتشدين في عرفات، ولمن وراءهم من جماهير المؤمنين في كل مكان:"قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ". التوبة: 1415… فالحج عبادة تقيمها قلوب ساجدة وأيدٍ مجاهدة.

ثم يهيب الشيخ بأمته قائلا: يا قومنا، إن الحج ليس لقاء أجساد، ولا شراء هدايا، ولا حمل ألقاب، اجعلوا الموسم الجامع فرصة إعداد، وموطن دراسة علية وعملية، ورسم خطة لإنقاذ أنفسكم من طوفان مقبل.

إن الحج ليس رحلة ميتة، إن ناسا يذهبون إلى الحج الآن ثم يعودون مكتفين بأن حملوا لقبا، هل درست قضاياهم؟ لا. هل عادوا من موسم الحج بتحالف على محاربة الفساد الداخلي والغزو الخارجي؟ لا. إن الحج ليس عبادة فردية، لا في ديننا ولا في تاريخنا. فيجب أن نعلم ديننا وكفانا جهلا حتى لا نستيقظ على الويل والثبور وعظائم الأمور.

وبهذا الفكر السامق والنظر العميق والتفكر الدقيق فهم شيخنا الغزالي يرحمه الله هذه الشعيرة الكبرى، التي جعلها الله تعالى حماية للإسلام أن يندرس، ووقاية للمسلمين أن ينتهوا ويتفتتوا، ومكانا يفيء إليه المسلمون، ويتلاقى فيه المؤمنون، ويعالج فيه المجاهدون مشكلات أمتهم، فيستهدون علاجها من كتاب الله وسنة رسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت