فهرس الكتاب

الصفحة 19660 من 20085

البغي هم ينتصرون , وجزاء سيّئة سيّئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنّه لا يُحبّ الظّالمين ــ الآيات >>).

ومن طبيعته الدّعوة إلى الجمال والتّحبيب فيه في جميع مظاهر الحياة لكن في نطاق الفضيلة والعفاف كما قال تعالى (>)

ومن طبيعة المُلك البشري ــ وإن رُوعِيَت في أوضاعه هذه الأصول الأربعة ــ أنّه لا يُقيم ميزان العدل بين أبناء المملكة وغيرهم فتراه يكيل لهؤلاء بمكيال ولهؤلاء بمكيال , ولا يرعى من العهود ــ في الغالب ــ إلاّ ما لا يُعارض مصلحته أو تُلزمه بمُراعاته قوّة خصمه , كما أنّه يكاد يقصر برّه وإحسانه على أبناء جلدته ومن كانوا من جنسه ولونه كما أنّه يبني أمره على القوّة المُطلقة فتندفع مع رغباته إلى أقصى ما يُمكنها أن تصل إليه فيكون البغي والتّسلّط والعدوان , كما أنّه تستهويه زينة الحياة الدّنيا وزخارفها فتمتدّ يده إليها حيثما وجدها فتتنازعها الأيدي بالقوّة والحيلة وتذهب في أفانينها الشّهوات بالنّاس إلى النّقص والرّذيلة.

ثمّ إنّ من طبيعة المُلك من حيث أنّه مُلك ــ سواء أكان بشريا أم نبويّا ــ مظاهر الأبّهة والجمال والقوّة والفخامة , لما جُبل عليه الخلق من اعتبار المظاهر والتّأثر بها , وهذا إذا كان في الحقّ فهو محمود مطلوب , وإذا كان للباطل والبغي والتّعظيم النّفسي فمذموم متروك , ومن الأوّل أمر النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عمّه العبّاس رضي الله عنه أن يحبس أبا سُفيان عند خطم الجبل حتّى تمرّ عليه كتائب المُسلمين وذلك لإدخال الرّعب على قلبه بما يرى من النّظام والقوّة , فحبسه العبّاس فجعلت الكتائب تمرّ به فيسأل العبّاس عن كلّ كتيبة فإذا أخبره قال مالي ولبني فلان حتّى مرّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في كتيبته الخضراء وفيها المُهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلاّ الحدق من الحديد فقال مَن هؤلاء؟ فقال العبّاس: هذا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المهاجرين والأنصار , قال أبوا سُفيان: ما لأحد بهؤلاء قِبلٌ ولا طاقة , لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيما , قال العبّاس فقلت له: إنّها النّبوّة , فقال: فنعم إذن , قصد أبو سُفيان عظمة الملك القاهر التي كان يعرفها من الأكاسرة وأمثالهم فنفى ذلك العبّاس وردّه إلى النّبوّة التي هي أصل تلك القوّة وذلك الملك النّبوي المُستند إلى الوحي الإلهي ولم يُرد نفي المُلك جُملة , ومنه ما كان من مُعاوية بالشّام: لمّا قدم عليه عُمر وجدّه في أبّهة من الجند والعدّة فاستنكر ذلك وقال له أكسرويّة يا مُعاوية؟ فاعتذر مُعاوية بأنّهم في ثغر تجاه العدوّ وأنّهم في حاجة إلى مُباهاة العدوّ بزينة الحرب والجهاد فسكت عُمر وأقرّه , فذلك المظهر من مظاهر طبيعة الملك من حيث هو ملك وإنّما أنكره عمر لمّا خاف فيه من تعظّم واستعلاء وإعجاب , فلمّا كان للحق والمصلحة أقرّه.

ومن أقوى الأدلّة على أنّ تلك المظاهر إذا كانت للحق والمصلحة فهي محمودة مطلوبة ــ ما قصّه الله علينا في هذه الآيات عن مُلك سُليمان نبيّ الله عليه الصّلاة والسّلام , نعم في مُسند أحمد أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم خُيّر من أن يكون نبيّا ملكا أو يكون نبيّا عبدا فاختار أن يكون نبيّا عبدا , وكان ذلك تواضعا منه , ولا ينفي هذا أنّه صلّى الله عليه وسلّم كما كان مُبلّغا عن الله تبارك وتعالى كان قائما على الحُكم والتّنفيذ وإدارة الشّؤون العامّة وتنظيم المُجتمع ممّا يُسمّى مُلكا نبويّا مُستندا إلى الوحي الإلهي ــ لأنّ التّخيير راجع إلى حالته الشّخصيّة الكريمة فخُيّر بين أن يكون لشخصه من مظاهر المُلك مثل ما كان لسُليمان أو لا تكون له تلك المظاهر , فاختار أن لا تكون وأن يكون مظهره مظهرا عاديا مثل مظهر العبد العادي , كما أنّ سُليمان صلّى الله عليه وسلّم الذي كان ملكا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت