فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
نبيّا لم ينف ذلك عنه العبوديّة , وإنّما ينفي عنه مظهرها العادي.
فهما حالتان للقائمين على الملك جائزتان , كان على إحداهما سُليمان وعلى الأخرى محمّد عليهما الصّلاة والسّلام , وحالة أفضل النّبيّين أفضل الحالتين , وقد اختار عُمر رضي الله عنه الفضلى وأقرّ مُعاوية على الفاضلة الأخرى.
ولمّا كان محمّد صلّى الله عليه وسلّم جاء بملك النّبوّة كان القرآن العظيم جامعا للأصول التي ينبني عليها ذلك الملك وجاء فيه مثل هذه الآيات التي نكتب عليها صورة من صور مُلك النّبوّة ومظهرا صادقا من مظاهره فيما قصّت علينا من ملك سُليمان عليه السّلام وهي ثلاثون آية من الآية الخامسة عشرة من سورة النّمل إلى الآية الرّابعة والأربعين منها.
الآية الأولى وهي: 15
الألفاظ والتّراكيب:
علما , نوعا عظيما ممتازا من العلم جمعا به بين المُلك والنّبوّة , وقاما بأمر الحكم والهداية , وقالا: قولهما متسبّب وناشئ عن العلم لكنّه لو قيل فقالا بالفاء لما أفاد أنّ غير القول تسبّب منهما عن العلم ولمّا عطف بالواو دلّ على أنّ هنالك أعمالا كثيرة عظيمة كانت منهما في طاعة الله وشُكره نشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا , فضّلنا: أعطانا ما فُقنا به غيرنا , على كثير: فهنالك كثير لم يفضّلا عليه ممّن ساواهما أو فاقهما , من عباده المؤمنين: ففضّلا بين أهل الفضل فكانا من أفضل الفاضلين وذلك بما أعطيا من النّبوّة ومُلكها.
المعنى:
يُخبرنا الله تعالى عمّا أعطى لهذين النّبيَين الكريمين من هذا الخير العظيم , وعمّا كان منهما من الشّكر له , والمعرفة بعظيم قدر عطائه , وإظهار السّرور به مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه ومن إعلانهما ما كان لله عليهما من نعمة التّفضيل العظيمة بحمده والثّناء عليه.
تنويه وتأصيل:
قد ابتُدئ الحديث عن هذا الملك العظيم بذكر العلم وقدّمت النّعمة به على سائر النّعم تنويها بشأن العلم وتنبيها على أنّه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدّنيا والأخرى , وأنّه هو الأساس لكلّ أمر من أمور الدّين والدّنيا , وأنّ الممالك إنّما تُبني عليه وتُشاد , وأنّ الملك إنّما يُنظم به ويُساس وأنّ كلّ ما لم يُبن عليه فهو على شفا جُرُف هار , وأنّه هو سياج المملكة ودرعها وهو سلاحها الحقيقي وبه دفاعها وأنّ كلّ مملكة لم تحم به فهي عُرضة للانقراض والانقضاض.
إحماض:
قال أبو الطّيّب المُتنبّي:
أعلى الممالك ما يُبنى على الأسل ... والطّعن عند مُحبّيهنّ كالقبل
نعم إنّ مُحبّي الممالك الصّادقين في محبّتها والذين تصلح لهم ويصلحون لها هم الذين يستعذبون في سبيلها الموت ويكون الطّعن عندهم مثل القبل على ثغور الحسان فأمّا الممالك التي تُبنى على السّيف فبالسّيف تُهدم , وما يُشاد على القوّة فبالقوّة يُؤخذ وإنّما أعلى الممالك وأثبتها ما بُنِي على العلم , وحُمي بالسّيف , وإنّما يبلغ السّيف وطره ويُؤثر أثره إذا كان العلم من ورائه. ولكنّ أبا الطّيّب شاعر الرّجولة والبطولة شاعر المعارك والمعامع ــ لا يرى أمامه إلاّ الحرب , وآلات الطّعن والضّرب فلا يُمكن أن يقول ــ وقد غمرته لذة الانتصار واستولت نشوة الغلب والظّفر على لُبّه وخياله ــ إلاّ ما قال.
فقه وأدب:
يجوز لمن أنعم الله عليه بنعمة وفضّله بفضيلة أن يفرح بتلك النّعمة ويُظهر فرحه بها في معرض حمد الله عليها , من حيث أنّها كرامة من الله لا من حيث أنّها مزيّة من مزاياه فاق بها سواه , مثلما فعل هذين النّبيين الكريمين , وكما قال تعالى: (>) , وكثيرا ما يكون التفات المرء إلى نفسه حاجبا عن غيره , فيذكر من شأنه ما أفرحه ويسكت عن غيره وفيهم من هو مثله ومن يفوقه , فقد يجرّ هذا إلى عجب بنفسه وغمط لحقّ من عداه , فلهذا كان من أدب مقام الفرح بنعمة الله وحمده عليها ذكر نعمته العامّة عليه وعلى غيره , والإشارة إلى من فُضّلوا عليه , فيكبح من نفسه بتذكيرها بقصورها , ويُرضي الله باعترافه لذي الفضل بفضله , وحكمة الله وعدله , وبوُقوفه كواحد ممّن أنعم عليهم من عباده.
إرشاد وإشادة:
أذكار الأنبياء صلّى الله عليهم وسلّم من حمد وتسبيح وتهليل وغيرها أفضل الأذكار وأجمعها وأسلمها وقد اشتمل الكتاب العزيز على كثير منها فعلى المُسلم الحريص على الخير بها علما وعملا , فقد رأيت ما يحفّ بإظهار الفرح بنعمة الله من مخاطر إذا لم يُنتبه لها , وقد جاء هذا الحمد النّبوي مُحصّلا للقصد سالما من كلّ خطره بعباراته الموزونة الشّاملة , التي لا يصدر مثلها إلاّ منهم لكمال علمهم وأدبهم , عليهم الصّلاة والسّلام.
(يُتْبَعُ)