"خطبنا عمر رحمه الله فقال: ألا لا تغلوا بصدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكانأولاكم بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما أصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية"زاد في رواية:"وان الرجل ليغالي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفتلكم علق القربة" (1) .
أخرجه أبو داود (2106) والنسائي (2/ 87 - 88) والترمذي (1/ 308) والدارمي (2/ 141) وابن ماجة (1887) والحاكم (2/ 175 - 176) والبيهقي (7/ 231) والطيالسي (رقم 64) وأحمد (1/ 40 و 48) وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح". وقال الحاكم:"صحيح الإسناد"ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالوا، فإنرجاله ثقات رجال الشيخين، غير أبي العجفاء، واسمه هرم، وهو ثقة كما قال ابن معينوالدارقطني وغيرهما، وقد توبع كما يأتي، وقد سمعه منه ابن سيرين كما في روايةأحمد.
2 -عن ابن عباس قال:
قال عمر: لا تغالوا بمهور النساء. وذكرالحديث. رواه الحاكم.
3 -عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس فقال: يا أيها الناس لا تغالوا مهر النساء. الحديث. رواه الحاكم.
4 -عن شريح قال: قال عمر بن الخطاب: فذكره.
5 -عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام على منبره فحمد الله وأثنى عليه فقال: فذكره.
أخرجه الحاكم وقال:
"فقد تواترت الأسانيد الصحيحة بصحة خطبة أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه (بذلك) ، وهذا الباب لي مجموع في جزء كبير". ووافقه الذهبي.
قلت: وهذه الطرق جميعها ليس فيها قصة المرأة ومعارضتها لعمر، وفي ذلك تنبيه لأهل العلم إلى احتمال ضعفها لشذوذ أو نكارة فلننظر في سندها إذن لنتبين مبلغ صحة هذا الاحتمال:
لقد ساق الحافظ ابن كثير إسناد أبي يعلى بتمامهمن طريق"ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروققال". فذكره، وقد اختصر إسناده الأستاذ وهبي فلم يحسن.
قلت: وفي هذا السند علل:
1 -ضعف مجالد بن سعيد، ولا أريد أن أطيل على القراء بذكر أقوال العلماء فيتضعيفه، وانما أقتصر على ذكر قول حافظين من الحفاظ المتأخرين المحيطين بأقوال المتقدمين، وهما الحافظ الذهبي والحافظ العسقلاني، فقال الأول في"الميزان":"فيه لين". وقال الحافظ العسقلاني في"التقريب":"ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره".
-الاختلاف في سنده، فقد رواه ابن إسحاق عن مجالد عن الشعبي عن مسروق، كما تقدم، وخالفه هشيم فقال: حدثنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب. . .
أخرجه البيهقي (7/ 233) وقال:
"هذا منقطع".
قلت: وذلكلأن الشعبي واسمه عامر ين شراحيل لم يسمع من عمر وادخال ابن إسحاق بينهما مسروقًا مما لا يطمئن القلب له، لتفرد ابن إسحاق به، وقد علم كل مشتغل بهذا الفن أن فيتفرده نكارة، قال الذهبي في خاتمة ترجمته:"حسن الحديث، صالح الحال، صدوق،وما انفرد به، ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا".
قلت: وقد خالفه هشيم،وهو ثقة ثبت كما في"التقريب"وهو قد أرسله، فروايته هي المعتمدة.
ومما سبقيتبين أن في إسناد هذه القصة علتين:
ضعف مجالد، والانقطاع.
وإذا كان الأمركذلك، فقول الحافظ ابن كثير:
"إسناده جيد قوي" (2) . غير قوي، بل هو سهو منه -رحمه الله- لا يجوز لمن يبين له أن يقلده، لا سيما مع إعلال الحافظ البيهقي إياه بالانقطاع.
وإذا تبين هذا التحقيق للقاريء الكريم، وتذكر أن خطبة عمر هذه وردت عنه من خمسة طرق، ليس فيها قصة المرأة، عرف حينئذ أنها ضعيفة منكرة لا تصح.
ومما يؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال عمر بن الخطاب"لقد خرجت وأنا أريد أن أنهي عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية: (وءاتيتم إحداهن قنطارا) ".
وقال البيهقي:
"هذا مرسل جيد".
قلت: وهو أصح، من مرسل ابن إسحاق، لأن رجاله كلهم ثقات، وهو بظاهره يبطلقصة المرأة، لأنه يدل على أن تراجع عمر -رضي الله عنه- عما هم به من النهي إنما كان بقراءته الآية قبيل خروجه إلى الناس، بينما القصة تقول: إن تراجعه إنما كانبعد خروجه وتذكير المرأة إياه بالآية.
(يُتْبَعُ)