وعلى كل حال، فهذان المرسلان لايصحان لإرسالهما وللتعارض الذي بينهما، ومخالفتهما لسائر طرق الحديث عن عمر، التيأطبقت على أن عمر نهى عن التغالي في المهور، ولم تذكر أنه رجع عن ذلك.
وليس في نهي عمر عن ذلك ما ينافي السنة حتى يتراجع عنه، بل فيها ما يشهد، فقد صح عن أبي هريرة قال:
"جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"هل نظرت إليهافإن في عيون الأنصار شيئًا؟"، قال: قد نظرت إليها، قال:"على كم تزوجتها؟"قال أربع أواق، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:"على أربع أواق؟! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل"رواه مسلم."
وإذا تبين أن نهي عمر رضي الله عنه عن التغالي في المهور موافق للسنة، وحينئذ يمكن أن نقول: إن في القصة نكارة أخرى تدل على بطلانها، وذلك أن نهيه ليس فيه ما يخالف الآية، حتى يتسنى للمرأة أنتعترض عليه، ويسلم هو لها ذلك، لأن له -رضي الله عنه- أن يجيبها على اعتراضها -لوصح- بمثل قوله: لا منافاة بين نهيي وبين الآية من وجهين.
الأول: أن نهييموافق للسنة، وليس هو من باب التحريم بل التنزيه.
الآخر: أن الآية وردتفي المرأة التي يريد الزوج أن يطلقها، وكان قدر لها مهرًا، فلا يجوز له أن يأخذ منه شيئًا دون رضاها، مهما كان كثيرًا، فقد قال تعالى: (وإن أردتم استبدال زوجمكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) فالآية وردت في وجوب المحافظة على صداق المرأة وعدم الاعتداء عليه، والحديث ومافي معناه ونهي عمر جاء لتطيف المهر وعدم التغالي فيه، وذلك لا ينافي بوجه منالوجوه عدم الاعتداء على المهر بحكم أنه صار حقًا لها بمحض اختيار الرجل، فإذاخالف هو، ووافق على المهر الغالي فهو المسؤول عن ذلك دون غيره.
وبعد: فهذا وجه انشرح له صدري لبيان نكارة القصة من حيث متنها، فإن وافق ذلك الحق،فالفضل لله، والحمد له على توفيقه، وإن كان خطأ، ففيما قدمنا من الأدلة على بيان ضعفها من جهة إسنادها كفاية، والله سبحانه وتعالى هو الهادي.
محمد ناصرالدين الألباني
دمشق
6/ 7 / 1381 هـ
المصدر: مجلة التمدن الإسلامي (28/ 514 - 519)
أي تحملت لأجلك كل شئ، حتى علق القربة وهوحبلها الذي تعلق به.
2)وتبعه السيوطي في"الدرر المنثور" (2/ 133) .