ونعرف أيضا أن المسلم عليه أن يسعى في أسباب قبول عمله؛ فإن الأعمال إذا قبلها الله تعالى ترتب عليها الثواب، وإذا لم يقبلها لم يستفد منها صاحبها، بل تكون وبالا عليه، فهكذا على المسلم أن يكون حريصا على أن يكون عمله مقبولا.
كان السلف رحمهم الله -الصحابة وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم- يحرصون على إكمال الأعمال فإذا أكملوا العمل وقع عليهم الهمّ؛ هل قبل منهم عملهم أم لم يقبل؟ فيدعون الله تعالى بقبول الأعمال، ويقول أحدهم: أخشى أن يرد علي عملي، وأن لا يقبله الله، ولكن المسلم المؤمن إذا كانت نيته صادقة؛ فإن ربه سبحانه لا يخيب سعيه، ولا يبطل أجره، بل هو أكرم من أن يرد سائلا، وأن يرد عملا صالحا، هذا فضل الله تعالى ونعمته.
ثم نقول: إن لقبول العمل علامات:
أولها: أن يكون الإنسان محبا لذلك العمل، فإذا كان محبا لهذا السفر ولهذه المناسك فذلك من أسباب قبوله.
ومنها ثانيا: أن يكون مخلصا في عمله، إذا كان عمله خالصا لا يريد به إلا وجه الله والدار الآخرة فذلك من أسباب عمله.
ومنها ثالثا: أن يكون عمله كاملا لا يخلّ بشيء من واجباته أو ما أشبه ذلك، فإذا أكمل ما أوجبه الله عليه فإن ذلك من أسباب قبول عمله.
ومنها رابعا: أن يقتدي فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي علم الأمة ما يحتاجون إليه، ومن جملة ذلك تعليمهم لمناسك الحج وقوله بعد التعليم: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعدها) وغير ذلك من الأسباب التي يرجى باجتماعها قبول العمل وعدم رده.
ثم نقول أيضا: كما أن للعمل الصالح المقبول علامات فإن له آثارا على العباد، وهذه الآثار تظهر عليه في الحال، وتظهر عليه في المآل، وهنا أذكر شيئا من تلك الآثار التي إذا اجتمعت في العبد رجي أن يكون عمله مقبولا:
فأولا: من آثار قبول العمل أن يحب الإكثار من جنس ذلك العمل، بمعنى أنه يحبب إليه مثل هذه الأعمال فيكون قلبه في كل زمان يشتاق إلى هذه المشاعر وإلى هذه المناسك، ويحن إليها، ويتمناها، ويسأل ربه ألا يحرمه أن يرجع إليها مرارا وتكرارا، فإن ذلك دليل على أنه ما مَلَّ من هذه البقاع، ولو تكبد فيها مشقة، ولو وجد فيها صعوبة، ولو لاقى فيها شدائد، ولو أنفق فيها أموالا، ولكن ذلك كله سهل يسير عليه، يحب هذه الأعمال، ويتمنى الرجوع إليها، فهو دائما يسأل ربه إذا ودع البيت أن يقول: اللهم لا تجعله آخر العهد ببيتك الكريم، وارزقني إليه العودة مرات بعد مرات.
فذلك لا شك أنه دليل على أنه يحب هذه الأعمال، وأن ما لقيه فيها من الصعوبات سهل يسير، لسان حاله يقول:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
وهو يصبر، ويرجو الثواب الذي رتبه الله تعالى للصابرين، فهذا علامة من علامات محبته.
كذلك أيضا علامة ثانية: وهي محبته للأعمال الصالحة الأخرى، أن يحب بقية الأعمال، فإنه إذا أحب الله تعالى؛ أحب كل ما يحبه، ولا شك أنه ما هزه الشوق إلى هذه البقاع إلا محبة لله تعالى، وطواعية له؛ فلأجل ذلك تراه يحب كل ما يحبه الله من الأعمال الصالحة.
فتراه يحب تكرار الأعمال الصالحة، يحب المساجد، ويتردد إليها باشتياق ومحبة وولع، ويحب الصلوات، ويخشع فيها، ويخضع، ويتواضع، ويحب التنفل بالعبادات، التنفل بالصلوات كالرواتب التي قبل الصلوات وبعدها، يشتاق إليها؛ لأنها محبوبة عند الله تعالى، ويحب أيضا النوافل الأخرى؛ فيحب الصلاة بالليل، ويحب الصلاة بالضحى في وقت انشغال كثير من الناس بدنياهم وبوظائفهم وحرفهم، فهو يحب ذلك.
ويحب أيضا العلم النافع الذي يرشده الله به إلى معرفة ما أباحه الله وما حرمه عليه، فهو يحب الاستكثار من الطاعات، ويحب الصدقة، ويهون عليه أن ينفق في سبيل الله وفي وجوه الخير، كل شيء في سبيل الله مما أمر الله به ومما رغب فيه، يحب ذلك ويشتاق إليه، ويحب الصيام، يحب أن يستكثر منه؛ لأنه محبوب عند ربه سبحانه وتعالى.
(يُتْبَعُ)