فهرس الكتاب

الصفحة 19745 من 20085

وتراه أيضا يحب بقية الأعمال الخيرية؛ فيحب أن يبر أبويه، وأن يصل أرحامه، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وينصح للمسلمين، ويرشد الضال، ويعلم الجاهل، ويرشد الحيران، ويدل من غوي وغلط، ويعلّم من عنده نقص أو حاجة إلى تعليم؛ لأن ذلك كله مما يحبه الله تعالى، فهو يحب الله ويحب أولياء الله يحب الصالحين، وإن لم يصل إلى درجتهم، ولسان حاله يقول كما روي عن الشافعي رحمه الله:

أحب الصالحين ولست منهم ... وأرجو أن أنال بهم شفاعة

وأبغض من بضاعته المعاصي ... وإن كنا سواء في البضاعة

هكذا حال من يرجو قبول عمله.

وكذلك بقية الأعمال الصالحة، لما أنه تقرب إلى الله تعالى بهذه العبادات كان ذلك مؤثرا في أنه يحب الاستكثار من الصالحات، من الأعمال القاصرة والمتعدية. القاصرة التي تقتصر عليه كالصلاة والصيام، والمتعدية التي يتعدى نفعها كالصدقات والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل والنصيحة للمسلمين وإعانة العاجزين، وما أشبه ذلك، هذا كله يعتبر أثرا من آثار قبول العمل، ومن علامات محبته.

وكذلك أيضا لا يتم هذا إلا بترك المخالفات، وببغض المحرمات؛ فإن العبد في هذه البقاع قد تقرب إلى الله بهذه القربات، فيعتبر بذلك قد عمل هذه الصالحات، ومن عمل الصالحات ترك المحرمات، وأبغض الخطايا والسيئات، ونفرت نفسه من كل المحرمات فأبغضها، وهجرها، وهجر أهلها، ولو كان يألفها فيما سبق؛ وذلك لأن هذه الأعمال الصالحة كأنها تعتبر معاهدة بين العبد وبين ربه.

ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تفسير الفاتحة في ثلاثة الأصول لما أتى على قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

قال: عهد بين العبد وبين ربه ألا يعبد إلا إياه، وألا يستعين إلا به؛ فجعل ذلك عهدا.

فنقول: أنت إذا طفت بالبيت فكأنك تعاهد الله على أن تطيعه، وإذا أطعته؛ فكأنك أيضا تعاهده على ألا تعصيه ولا تعصي نبيه، ولا ترتكب شيئا من المخالفات التي حرمها عليك.

ذُكر عن ابن عباس في تفسيره أو في الحكمة في استلام الركن الذي فيه الحجر الأسود؛ لماذا يقبّل الحجر الأسود؟ ولماذا يمسح؟ ولماذا تقبل اليد إذا استلمها به؟ فقال: إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، من استلمه فكأنما استلم يمين الله؛ أي كأنه بايع ربه إذا استلمه سواء بالإشارة إليه ولو من بعيد، أو بمسه بمحجن ونحوه، أو بمسه بيد أو بتقبيله بالفم، يعتبر كل ذلك معاهدة، كأنك تقول: أعاهدك يا رب على ألا أعصي، أعاهدك يا رب على ألا أترك طاعة، أبايعك يا رب على أن أتقرب إليك بكل ما تحبه وبكل ما فرضته علي، وأتقرب إليك بترك ما حرمته علي من هذه المحرمات وما أشبهها، فكل ذلك يعتبر معاهدة.

ونقول: كذلك أيضا إذا طفت بالبيت؛ فهذه معاهدة، وإذا سعيت بين الصفا والمروة فهذه معاهدة، وإذا وقفت بعرفة فهذه معاهدة، وإذا ذكرت الله عند المشعر الحرام فكأنك تعاهد الله، وإذا بت في هذه الأيام في منى؛ فهذه أيضا معاهدة، وإذا رميت الجمار؛ فهذه معاهدة؛ أي أنك عاهدت الله تعالى؛ فعليك الوفاء بالعهد.

تذكّر قول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} معاهدة وإن لم يكن فيها حلف، وإن لم يكن فيها أيمان، ولكن مباشرتك لهذه الأعمال تعتبر امتثالا لأمر الله، ومن امتثل أمر الله تعالى؛ اعتبرناه بذلك مطيعا لربه، وخاضعا لأمره، وموافقا لشرعه، لا يعصي الله طرفة عين، ولا يخرج عن طواعيته، ولا يرتكب شيئا مما نهاه عنه.

فإذا رأيته يحافظ على الصلوات في المساجد؛ فاشهد له بأنه يحب العبادات، وأن عبادته مقبولة التي هي الحج والمناسك، وإذا رأيته يتخلف عن الصلوات، ويهجر المساجد، ولا يأتيها إلا إلماما؛ فخف عليه أن عمله لم يقبل، أو أنه لم يتأثر بهذه الأعمال الصالحة، أو أنها مردودة عليه؛ لأنها ما أثرت فيه محبة الصالحات.

وكذلك أيضا إذا رأيته يحب الصدقة، ويؤدي الحقوق المالية التي أوجبها الله عليه؛ فاشهد له بالخير، وقل يرجى أنه قد غفرت له سيئاته، وأنه ممن قبل حجه وأثيب عليه ورجع مغفورا له؛ حيث إنه أحب بذل المال الذي أنفقه للحج.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت