فهرس الكتاب

الصفحة 19968 من 20085

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: (( وأما قوله:"فاقصص القصص"، فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاقصص، يا محمد، هذا القصص الذي اقتصصته عليك، من نبأ الذي آتيناه آياتنا وأخبار الأمم التي أخبرتك أخبارهم في هذه السورة، واقتصصت عليك نبأهم ونبأ أشباههم، وما حل بهم من عقوبتنا، ونزل بهم حين كذبوا رسلنا من نقمتنا، على قومك من قريش، ومن قبلك من يهود بني إسرائيل، ليتفكروا في ذلك، فيعتبروا وينيبوا إلى طاعتنا، لئلا يحل بهم مثل الذي حل بمن قبلهم من النقم والمثلات، ويتدبره اليهود من بني إسرائيل، فيعلموا حقيقة أمرك وصحة نبوتك، إذ كان نبأ"الذي آتيناه آياتنا"، من خفي علومهم، ومكنون أخبارهم، لا يعلمه إلا أحبارهم، ومن قرأ الكتب ودرسها منهم. وفي علمك بذلك، وأنت أمي لا تكتب، ولا تقرأ، ولا تدرس الكتب، ولم تجالس أهل العلم، الحجة البينة لك عليهم، بأنك لله رسول، وأنك لم تعلم ما علمت من ذلك وحالك الحال التي أنت بها، إلا بوحي من السماء ) ).

و قال تعالى: (( لقد كان في قصصهم عبرة ) ).

قال الشوكاني رحمه الله: (( لقد كان في قصصهم"أي قصص الرسل ومن بعثوا إليه من الأمم، أو في قصص يوسف وإخوته وأبيه"عبرة لأولي الألباب"والعبرة: الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة. وقيل هي نوع من الاعتبار، وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، وأولوا الألباب هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم فيدرون ما فيه مصالح دينهم، وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الرسل الذين قص حديثهم، ومنهم يوسف وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم"ما كان حديثًا يفترى"أي ما كان هذا المقصوص الذي يدل عليه ذكر القصص وهو القرآن المشتمل على ذلك حديثًا يفترى"ولكن تصديق الذي بين يديه"أي ما قبله من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور، وقرىء برفع تصديق على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هو تصديق وتفصيل كل شيء من الشرائع المجملة المحتاجة إلى تفصيلها، لأن الله سبحانه لم يفرط في الكتاب من شيء، وقيل تفصيل كل شيء من قصة يوسف مع إخوته وأبيه. قيل وليس المراد به ما يقتصيه من العموم، بل المراد به الأصول والقوانين وما يؤول إليها"وهدىً"في الدنيا يهتدى به كل من أراد الله هدايته"ورحمة"في الآخرة يرحم الله بها عباده العاملين بما فيه شرط الإيمان الصحيح، ولهذا قال:"لقوم يؤمنون"أي يصدقون به وبما تضمنه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائعه وقدره، وأما من عداهم فلا ينتفع به ولا يهتدي بما اشتمل عليه من الهدى، فلا يستحق ما يستحقونه ) )."

هكذا يتضح لنا من الآيات السابقة أن في القصص عبرة وعظة إذا كانت صادقة و ذات هدف نبيل، لذا فالقصة الصادقة تمثل جانبًا عظيمًا من جوانب الدعوة الإسلامية. ولقد روى جعفر بن محمد عن أحمد أنه قال: (( ما أحوج الناس إلى قاص صدوق ) ). وسئل ذات مرة عن مجالسة القصاص فقال: (( إذا كان القاص صدوقًا فلا أرى بمجالسته بأسًا ) ). وفي الآداب الشرعية لابن مفلح: أن أحمد رحمه الله قال لحنبل: (( القصاص الذي يذكر الجنة والنار والتخويف، وله نية وصدق الحديث. فأما هؤلاء الذين أحدثوا من وضع الأخبار و الأحاديث فلا أراه ) ). فأحمد رحمه الله يريد من القاص الصدق في القصة، وأن يكون الهدف المنشود منها مشروعًا، و أن تكون للوعظ والتذكير.

إذا تقرر ذلك فمن أجل الأهداف المنشودة من القصة تعليم العقيدة الصحيحة للناس إذ (( إن القصص الذي يكون في خدمة العقيدة - إن جانب الكذب - سلاح من أسلحة الخير، ولقد قال بعض أهل العلم: القصص جند من جنود الله ) ).

وكم من قصة ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم عن الأقوام الغابرة فيها من بيان حال أولئك الأقوام الذين لم يؤمنوا بالله وكذبوا رسله كيف كان مصيرهم، وفيها المواعظ والعبر ما لا يحصيه إلا الله، كقصص الأنبياء، و غيرها من القصص.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت