فهرس الكتاب

الصفحة 2039 من 20085

الردُّ على هذه الشبهة: ذكر القرآن الكريم أن دعوته عامة شاملة لا تنتهي بانتهاء نزوله ولا بوفاة من أنزل عليه بل إنه خطاب للمكلفين عامة وللناس كافة يشمل العرب والعجم. وهناك العديد من آيات القرآن فيها خطاب خاص لمشركي العرب الذين أقاموا الحواجز في طريق الدعوة إلى الله فأصدر القرآن أحكامًا في أولئك الصادِّين حسب مسلكهم الخاص. ولا تنحصر الأحكام بالإجماع في أولئك الأفراد بل تتجاوزهم في من يماثلهم في تصرفاتهم، فإذا كان حكم الآيات القرآنية لا يختص بزمن ولا بأشخاص معدودين فكذلك السنة إذ لا فرق بين أحكام الكتاب والسنة لصدورهم من مصدر واحد كما تقدم. لذا كان الإيمان محمد صلى الله عليه وسلم هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر فلو كانت سنته خاصة بأولئك الأفراد ففيم يكون تصديقه بعد وفاته؟! أفي القول دون العمل؟! أو في الإدعاء دون التطبيق؟! وفيم يكون اتباعه لجلب المحبة الربانية التي نص عليها القرآن: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية31) واتفق المسلمون أن خطاب القرآن والسنة وأحكامهما عامان شاملان لا يختصان بأمة لأن عموم خطاب القرآن مستلزم لعموم خطاب السنة. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (سبأ: من الآية28) . فإن كانت هداية القرآن والسنة مؤقتتين محدودتين فهما معًا. وإن كانتا دائمتين عالميتين فهما معًا.

الشبهة الرابعة: تتضمن دعواهم في هذه الشبهة أن السنة قد انتقدت متنًا وإسنادًا وأن المحدثين تكلموا في رجالها ومتونها وما كان كذلك ودخله النقد وآراء الرجال فلا يصلح دينًا.

الرد على هذه الشبهة: أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا ممن يجهل تاريخ الإسلام في مقاومة الكذب والوضع في السنة فقد كان الصحابة رضي الله عنهم على نقاء من السيرة والسريرة فنقلوا الدين بأمانة وإخلاص وتفانٍ في حب الخير وإشراك الناس فيه. والصحابة أسمى بكثير من أن يخوضوا في الكذب والوضع وهم الذين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة يقول:"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"وهم الذين كان أحدهم يتورع عن رواية الحديث خشية ألا يأتي به على وجهه، وفي آخر زمن عثمان رضي الله عنه خرج إلى حيِّز الوجود جماعة يتكلمون باسم الإسلام ويدسون فيه ما ليس منه ثم مع مرور الزمن ازداد عدد هؤلاء وكثر خداعهم وكانت الخلافات السياسية حينئذٍ من العوامل الرئيسية في وضع الحديث. فأخذ بعض أصحاب معاوية رضي الله عنه يضعون الأحاديث في مثالب علي ومناقب معاوية وينشرونها بين الناس، وقد قابلهم بمثلها بعض أصحاب على رضي الله عنه , وكلهم جهلة، وكل ذلك دون علمٍ من علي ومعاوية. كما أن ظهور أرباب الكلام من القدرية والمرجئة والجهمية هيأت الأجواء المناسبة للوضع بذم بعضهم بعضًا. وقبلهم الشيعة ثم الزنادقة والقصاصون لنيل الشهرة من أقرب الطرق. كما انضم إليهم المتعصبون للجنس والبلد لرفع مكانه ورفع ذويهم فاستحلوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخيرًا انضم إليهم جهلة الصالحين فوضعوا الحديث حسبة وتقربًا إلى الله متأولين أن الكذب له لا عليه وتقدم الرد عليهم في أول الرسالة.

وقد قاوم العلماء هذه الحركة الوضعية ووضعوا الأسس العلمية لفحص الحديث وتبيينه ومعرفة الصحيح م السقيم، فمن تتبعها واستعان بالله عز وجل انكشف له أمر تلك الأحاديث الوضعية.

قال محمد بن سيرين: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالنا فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) . أ. هـ.

وهيأ الله عز وجل علماء جهابذة ليس همهم إلا التنقيب عن أحوال الرجال ومعرفة عدلهم من فسقهم وضبطهم من غفلتهم حتى ظهر في الإسلام علم مستقل يسمى علم الجرح والتعديل. فهل يزعم بعد هذا أن الأحاديث قد انتقدت لا يسعنا إقحامه في الدين وإقامة الشعائر على مقتضاه.

أمثلة على ضرورة السنة في فهم القرآن ومنزلتها وأنه لا يستغنى عنها بالقرآن:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت