فهرس الكتاب

الصفحة 2038 من 20085

الرد على هذه الشبهة: أن شبهتهم هذه لا تنبني على علم ومعرفة وإنما على العناد والمكابرة ونكران الجميل وأنها حيلة المنقطع. فهلا سمح هؤلاء بإلقاء نظرة عابرة في رياض كتب السنة وتاريخ الإسلام ومدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الصحابة وإفهامهم أمور دينهم بالقول والعمل. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشد أصحابه فيما يسألون عنه ويتخولهم بالموعظة من حين إلى آخر في الجمع والأعياد والطوارئ والمناسبات. كما أن حياته العائلية سجل آخر لنقل السنة عن حياته المنزلية فلو لم تكن السنة عنده صلى الله عليه وسلم شرعًا ودينًا لما اعتنى بها هذا الاعتناء ولما سلك لإشاعتها ونشرها كل الوسائل الممكنة آنذاك. فقد روى البخاري ومسلم في حديث وفد بن عبد القيس أن الرسول صلى الله عليه وسلم علمهم بعض أمور الدين وقال لهم: احفظوها وأخبروا بها من وراءكم. فلو لم تكن حياته دينًا وأقوله شرعًا لما أمرهم بالحفظ والتبليغ ولما صدرت منه أوامر الاتباع له عليه الصلاة والسلام. كقوله:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، وكقوله:"خذوا عني مناسككم). ولما تصور منه الغضب لأدنى بادرة بالإعراض عن سنته عليه الصلاة والسلام."

وكان الصحابة رضي الله عنهم أحرص الناس على الأخذ بالسنة. يقول أنس رضي الله عنه: (كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث فإذا قمنا نتذاكره فيما بيننا حتى نحفظه) . وكان عمر رضي الله عنه وجار له من الأنصار يتناوبان النزول من عوالي المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ العلم. وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول: (إني لأجزأ الليل ثلاثة أجزاء فثلث أنام وثلث أقوم وثلث أتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) . رواه الدارمي.فلو لم تكن السنة مصدرًا للدين عند الصحابة رضي الله عنهم ما حرصوا عليها هذا الحرص ولما تكلفوا المشاق من السفر وغيره في سبيلها. فقد قال البخاري في كتاب العلم تعليقًا: رحل جابر بن عبد الله إلى مصر لأخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الأحزاب: من الآية21) .

وأما قولهم: (إن الرسول والصحابة نهوا عن كتابة السنة فهذا دليل على أنها ليست شرع) . قيل: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خشي لبسها بالقرآن ثم أذن في كتابتها كما في الصحيح لما قال:"اكتبوا لأبي شاه"، وأيضًا السنة محفوظة في الصدور كما أن القرآن محفوظ في الصدور ولم يجمع إلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى على المطلع أن ما ورد من النهي إنما كان عن كتابة الحديث وتدوينه رسميًا كالقرآن. وأما ما يكتبه الكاتب لنفسه فقد ثبت وقوعه. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (كنت أكتب كل شيْ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنهاني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في الرضا والغضب فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال:"اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا الحق". وفي الصحيح عن أبي هريرة:(أن عبد الله بن عمرو كان يكتب) .

فنجمل الأسباب لعدم كتابة السنة رسميًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كالآتي:

1 -تشكيل مجتمع الصحابة على السنة العملية كفيل ببقائها ونقلها جيلًا بعد جيل.

2 -شغف المسلمين بتدوين الكتاب العزيز وحفظه لقوة بيانه وبقائه معجزًا على مر الدهر بينما السنة شرح عملي للقرآن وتدوينه أكثر من حفظ السنة وتدوينها.

3 -عدم وجود فراغ كافٍ لتسجيل السنة في مجتمع الصحابة إذ كان الأعداء يحيطون بهذا المجتمع من كل جانب فالكفاح لإثبات وجودهم كان عاملًا مهمًا في قلة تدوين السنة.

الشبهة الثالثة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرشد الصحابة رضي الله عنهم المشاهدين له وفق أحوالهم الخاصة مما نتج عنه تكيف الحديث بالظروف الموجودة في عصره ولا وجود لمثل تلك الظروف في الآونة المعاصرة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت