فهرس الكتاب

الصفحة 2566 من 20085

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَالْحَدِيث أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَسَن صَحِيح. حَكَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ: هَذَا حَدِيث مُنْكَر. قَالَ: وَكَانَ عَبْد الرَّحْمَن يَعْنِي اِبْن مَهْدِيّ لَا يُحَدِّث بِهِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْإِمَام أَحْمَد إِنَّمَا أَنْكَرَهُ مِنْ جِهَة الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن فَإِنَّ فِيهِ مَقَالًا لِأَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْن. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّهْي عَنْ الصِّيَام بَعْد النِّصْف مِنْ شَعْبَان لِأَجْلِ التَّقَوِّي عَلَى صِيَام رَمَضَان وَالِاسْتِجْمَام لَهُ فَقَدْ أَبْعَدَ، فَإِنَّ نِصْف شَعْبَان إِذَا أَضْعَفَ كَانَ كُلّ شَعْبَان أَحْرَى أَنْ يُضْعِف.

وَقَدْ جَوَّزَ الْعُلَمَاء صِيَام جَمِيع شَعْبَان. وَالْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَال فَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْإِمَام مَالِك مَعَ شِدَّة اِنْتِقَاده الرِّجَال وَتَحَرِّيه فِي ذَلِكَ. وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مُسْلِم فِي صَحِيحه وَذَكَرَ لَهُ أَحَادِيث اِنْفَرَدَ بِهَا رُوَاتهَا وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا. وَلِلْحُفَّاظِ فِي الرِّجَال مَذَاهِب فَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اِجْتِهَاده مِنْ الْقَبُول وَالرَّدّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَم.

تَعْلِيقُ الْحَافِظِ ابْنِ الْقَيِّمِ:

قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين اِبْن الْقَيِّم رَحِمه اللَّه:

الَّذِينَ رَدُّوا هَذَا الْحَدِيث لَهُمْ مَأْخَذَانِ:

أَحَدهمَا: أَنَّهُ لَمْ يُتَابِع الْعَلَاء عَلَيْهِ أَحَد بَلْ اِنْفَرَدَ بِهِ عَنْ النَّاس وَكَيْف لَا يَكُون هَذَا مَعْرُوفًا عِنْد أَصْحَاب أَبِي هُرَيْرَة، مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَّصِل بِهِ الْعَمَل؟

وَالْمَأْخَذ الثَّانِي: أَنَّهُمْ ظَنُّوهُ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة فِي صِيَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعْبَان كُلّه، أَوْ قَلِيلًا مِنْهُ، وَقَوْله"إِلَّا أَنْ يَكُون لِأَحَدِكُمْ صَوْم فَلْيَصُمْهُ"، وَسُؤَاله لِلرَّجُلِ عَنْ صَوْمه سَرَر شَعْبَان.

قَالُوا: وَهَذِهِ الْأَحَادِيث أَصَحّ مِنْهُ.

وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَمْ يَسْمَعهُ الْعَلَاء مِنْ أَبِيهِ.

وَأَمَّا الْمُصَحِّحُونَ لَهُ فَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْدَح فِي صِحَّته، وَهُوَ حَدِيث عَلَى شَرْط مُسْلِم، فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرُج فِي صَحِيحه عِدَّة أَحَادِيث عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَتَفَرُّده بِهِ تَفَرُّد ثِقَة بِحَدِيثٍ مُسْتَقِلٍّ، وَلَهُ عِدَّة نَظَائِر فِي الصَّحِيح.

قَالُوا: وَالتَّفَرُّد الَّذِي يُعَلَّل بِهِ هُوَ تَفَرُّد الرَّجُل عَنْ النَّاس بِوَصْلِ مَا أَرْسَلُوهُ، أَوْ رَفْع مَا وَقَفُوهُ، أَوْ زِيَادَة لَفْظَةٍ لَمْ يَذْكُرُوهَا. وَأَمَّا الثِّقَة الْعَدْل إِذَا رَوَى حَدِيثًا وَتَفَرَّدَ بِهِ لَمْ يَكُنْ تَفَرُّده عِلَّة، فَكَمْ قَدْ تَفَرَّدَ الثِّقَات بِسُنَنٍ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَتْ بِهَا الْأُمَّة؟ قَالُوا: وَأَمَّا ظَنُّ مُعَارَضَته بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى صِيَام شَعْبَان، فَلَا مُعَارَضَة بَيْنهمَا، وَإِنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى صَوْم نِصْفه مَعَ مَا قَبْله، وَعَلَى الصَّوْم الْمُعْتَاد فِي النِّصْف الثَّانِي، وَحَدِيث الْعَلَاء يَدُلّ عَلَى الْمَنْع مِنْ تَعَمُّد الصَّوْم بَعْد النِّصْف، لَا لِعَادَةٍ، وَلَا مُضَافًا إِلَى مَا قَبْله، وَيَشْهَد لَهُ حَدِيث التَّقَدُّم.

وَأَمَّا كَوْن الْعَلَاء لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَبِيهِ، فَهَذَا لَمْ نَعْلَم أَنَّ أَحَدًا عَلَّلَ بِهِ الْحَدِيث، فَإِنَّ الْعَلَاء قَدْ ثَبَتَ سَمَاعه مِنْ أَبِيهِ. وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ بِالْعَنْعَنَةِ غَيْر حَدِيث. وَقَدْ قَالَ."لَقِيت الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ يَطُوف، فَقُلْت لَهُ: بِرَبِّ هَذَا الْبَيْت، حَدَّثَك أَبُوك عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اِنْتَصَفَ شَعْبَان فَلَا تَصُومُوا؟ فَقَالَ: وَرَبِّ هَذَا الْبَيْت سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَذَكَره.أنتهى من عون المعبود

قال الزيلعي في نصب الرأية:

وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ الْعَلَاءِ، وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، قَالَ: وَسَأَلْت عَنْهُ ابْنَ مَهْدِيٍّ فَلَمْ يُصَحِّحْهُ: وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ، وَكَانَ يَتَوَقَّاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: وَالْعَلَاءُ ثِقَةٌ، لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا هَذَا. أهـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت