فهرس الكتاب

الصفحة 2593 من 20085

لأنَّه تكلم فيما لا يحسنه،ومن يتكلم بما لا يحسن يأتي بالعجائب! وَصَدَقُوا ... ولكن لِمَ لا تمرَّر هذه القاعدة والمنهجية عليهم كذلك؟ أمَّ أنَّ علم الشريعة متاح لكل أحد أن يكون مجتهدًا فيه، وغيره من العلوم لا يتحدَّث فيه إلاَّ من تخصص به وثنى ركبته في نيله عند أهله؟!.

وقد لاحظ تلك المشكلة الإمام ابن رجب ـ رحمه الله ـ واشتكى منها قائلًا: (يالله العجب! لو ادَّعى معرفة صناعة من صنائع الدنيا، ولم يعرفه الناس بها، ولا شاهدوا عنده آلاتها لكذَّبوه في دعواه، ولم يأمنوه على أموالهم، ولم يمكِّنوه أن يعمل فيها ما يدَّعيه من تلك الصناعة، فكيف بمن يدَّعي معرفة أمر الرسول وما شوهد قط يكتب علم الرسول، ولا يجالس أهله ولا يدارسه) [الحكم الجديرة بالإذاعة] .

* أقوال علماء الإسلام في النهي عن التكلم بلا علم:

وقد تواترت كتابات العلماء في التحذير من التكلم بلا علم والإفتاء بالجهل،ومنهم الإمام الشافعي فقد قال ـ رحمه الله ـ: (فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلاَّ من حيث علموا، وقد تكلَّم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلَّم فيه منه لكان الإمساك أوْلى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله) [الرسالة/41] وقال الإمام ابن حزم: (لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنَّهم يجهلون ويظنُّون أنَّهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون) [مداواة النفوس/67] وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ: (ولا يحل لأحد أن يتكلَّم في الدين بلا علم ولا يعين من تكلَّم في الدين بلا علم، أو أدخل في الدين ما ليس منه) [مجموع الفتاوى/4] وقال كذلك: (فمن تكلَّم بجهل وبما يخالف الأئمة، فإنَّه ينهى عن ذلك ويؤدَّب على الإصرار، كما يُفعل بأمثاله من الجهال، ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمَّة الضلالة، وإن كان مشهورًا عنه العلم، كما قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك) [مجموع الفتاوى/7] وقال كذلك: (ومن تكلم في الدين بلا علم كان كاذبًا وإن كان لايتعمد الكذب كما ثبت في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قالت له سبيعة الأسلمية وقد توفي عنها زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع فكانت حاملًا فوضعت بعد موت زوجها بليال قلائل فقال لها أبو السنابل بن بعكك: ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك آخر الأجلين، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(كذب أبو السنابل، بل حللت فانكحي) [مجموع الفتاوى1/ 449] .

* من يملك حقّ التكلُّم بالعلم:

ممَّا يهمُّ المسلم المعاصر لهذا الزمن، أن تكون له بيِّنة لصفات من يؤخذُ عنهم العلم، ومعرفة جليَّة لسمات أهله وأصحابه؛ لئلاَّ يختلط عليه الحق بالباطل، والصواب بالخطأ، وليعبد الله على بصيرة وبيِّنة، خصوصًا أنّ أحاديث صريحة أتت عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في التحذير ممن يتقمصون مسوح العلم وينطقون به، ومن أئمة الضلال الذين يحكمون بالجور والجهل، ومن ذلك أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: (سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات يُصَدَّقُ فيها الكاذب، ويُكَذَّبُ فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها المؤتمن، وينطق الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه، يتكلم في أمر العامَّة) أخرجه ابن ماجه (44) وأحمد في المسند [/91] بسند حسن، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (1887) وثبت عند أحمد من حديث أبي الدرداء أنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ قال: (إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون) [المسند6/ 441] وحدَّث عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: (إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتَّى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهَّالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا) [أخرجه البخاري1/ 174،175 في كتاب العلم، ومسلم واللفظ له4/ 58] .

لأجل هذا يتحتَّم على مبتغي طريق الحق، ومريد طوق النجاة وسبيل الفلاح أن يعرف صفات من يأخذ عنهم العلم، لئلا يضيع الطريق الشرعي، ويضل السبيل، وسأذكرها في عدَّة نقاط: *صفات من يؤخذ عنهم العلم:

1ـ خشية الله تعالى:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت