فهرس الكتاب

الصفحة 2594 من 20085

وهي صفة لصيقة بأهل العلم الراسخين الربَّانيين، الذين يخشون ربهم، ويراقبونه في ما دقَّ وكبر، جليلًا كان أو حقيرًا، فخشية ربَّهم ملازمة لهم، لا يحيدون عنها ولا يتحايلون عليها، بل هم لله وبالله وعلى الله يفضون له جميع أمورهم، ويتعلقون بحبال الرجاء والخشية منه، ولهذا كان يقول جمع من أهل العلم كابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وغيره: (كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار به جهلًا) وحين نادى أحدهم الإمام الشعبي قائلًا له: يا عالم؟ فقال الشعبي: (إنَّما العالم من يخشى الله) وكان طلاب العلم لا يتلقون العلم إلاَّ عمَّن عرف بالخشية والخشوع؛ فقد قال النخعي ـ رحمه الله ـ: (كان الرجل إذا أراد أن يأخذ عن الرجل نظر في صلاته وفي حاله وفي سمته، ثمَّ يأخذ عنه) .

ـ تلقي العلم عن الراسخين في العلم:

وذلك لئلاَّ تكون له منهجية مبعثرة في قواعد الترجيح، ودلائل الاستنباط، وأن يكون تلقيه من أفواه العلماء وشفاههم، فيكون متقنًا للأحكام، ولهذا كان السلف الصالح كالإمام الشافعي يقول: (من تفقه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام) [تذكرة السامع والمتكلم/83] . فلا يعقل آيات الله، ولا يفقه أحكامها ويستنبط دلائلها إلا البارعون في العلم؛ كما قال تعالى: (وما يعقلها إلاَّ العالمون) العنكبوت (18) وكقوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) النساء (83) . فأهل العلم هم أوْلى الناس باستنباط أحكام الدين وشرائعه. قال محمد بن سراقة البصري: حقيقة الفقه عندي: الاستنباط. قال تعالى: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) [المنثور في القواعد1/ 67 ـ بواسطة: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي 1/ 68 لمحمد أحمد الراشد] .

لهذا حثَّنا الله تعالى على سؤالهم إن أشكل علينا أمر شرعي، فقال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون) الأنبياء (7) أخرج الدارمي في سننه في مقدمته عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (( خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ ) )قَالُوا: وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ لَا يُغْضِبُهُ إلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: (( ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا؟! إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ) ).

قال الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ: (إنَّ إنصاف الرجل لا يتمُّ حتَّى يأخذ كلَّ فنٍّ عن أهله كائنًا ما كان؛ فإنَّه لو ذهب العالم الذي تأهَّل للاجتهاد يأخذ مثلًا الحديث عن أهله ثمَّ يريد أن يأخذ ما يتعلَّق بتفسيره في اللغة عنهم، كان مخطئًا في أخذ المدلول اللغوي عنهم، وهكذا المعنى الإعرابي عنهم فإنَّه خطأ) ثمَّ يؤكِّد الإمام الشوكاني هذه المنهجيَّة المتَّزنة بقوله: (فالعالم إذا ظفر بالحق من أبوابه، ودخل إلى الإنصاف بأقوى أسبابه، وأمَّا إذا أخذ العلم عن غير أهله، ورجَّح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها، فإنَّه يخبط ويخلط، ويأتي من الأقوال والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان وهو حقيق بذاك) ا. هـ [أدب الطلب ومنتهى الأرب/76] .

وكم من مدَّعٍ للعلم، متعالم مع جهل، ينظر لنفسه نظر الكبر والغرور، فيظنُّ أنَّ جمع العلم يكون من قراءته للكتب فحسب، فلا حاجة ليقرأ العلم على أهله، ولا ليثني ركبه عند أهل العلم، تلقيًا منهم ومذاكرة معهم، ومراجعة عليهم، ليعلو كعبه في العلم، ويعلم أنَّه [من البليَّة تشيُّخ الصحيفة] وقد كان أهل العلم ينهون عن نيل العلم من الكتب فحسب، بل لابد من مقارنة ذلك بالحضور عند أهل العلم، والتلقي من الأشياخ، ليقوى باع الطالب في العلم، ويشتد عوده في الفهم، ويصلب مراسه لمعالجة مشكلات الكتب وما يكتنفها من مسائل غامضة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت