فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال كمال الدين الشمني: من يأخذ العلم عن شيخ مشافهةً يكن من الزيف والتصحيف في حرمِ ومن يكن آخذًا للعلم من صحف فعلمه عند أهل العلم كالعدم قال الأوزاعي: كان هذا العلم شيئًا شريفًا؛ إذ كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله.
وحين يتأمل المرء في بعض الكتب الصادرة، وما يجد فيها من فهم خاطئ لبعض نصوص الكتاب والسنَّة، وأقوال أهل العلم، يتيقن بأنَّ الخطأ ليس في صياغة الشيخ في كتابه بدلالاته اللغوية، ومعانيه الكلاميَّة، وإنَّما من الفهم القاصر لقارئ الكتاب، ممَّا يجعله ينزلق في الفهم القاصر، كما قال ابن القيم: (ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة) [مدارج السالكين/431] .
وصدق من قال:
وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
ولا عجبَ أن ترى كثيرًا من المسائل التي وقعت بها أخطاء علميَّة، أدَّت فيما بعد لأن تكون أقوالًا تنسب لبعض المنتسبين للعلم، لتكون خلافًا يحكى أمد الدهر، وذلك لقلَّة الفهم، وضعف العلم، ولو سكت هؤلاء القوم ولم ينطقوا لكان ذلك بهم أحرى وأوْلى من أن يتكالبوا على التدريس والتعليم، وبضاعتهم في العلم مزجاة، وممَّا يحسن إيراده في هذا المقام ما قاله كلثوم العتابي حيث قال: (لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف) معجم الأدباء (5/ 19) وقال أبوحامد الغزالي: (لو سكت من لا يعرف قلَّ الاختلاف، ومن قصر باعه وضاق نظره عن كلام علماء الأمَّة والاطِّلاع عليه فماله وللتكلُّم فيما لا يدريه، والدخول فيما لا يعنيه، وحق مثل هذا أن يلزم السكوت) [الحاوي للفتاوى/116] .
ولهذا كان أهل العلم ـ رحمهم الله جميعًا ـ إذا سئلوا عن مسألة ولم يعرفوا لها جوابًا قالوا: الله أعلم، ولم يفذلكوا أو يكذلكوا، بل كانوا متَّسمين بالوضوح تجاه مستفتيهم، إن علموا حكم المسألة قالوا بها، وإن جهلوها قالوا لا نعرفها، بل كانوا لا يجزمون في فتاويهم ـ في بعض الأحيان ـ إن شعروا أنَّ المسألة قد تحتمل أوجهًا متعدِّدة، كما نقل عن الإمام مالك أنَّه في بعض الأحيان إن أفتى قال: (إن نظنُّ إلاَّ ظنًَّا وما نحن بمستيقنين) [جامع بيان العلم وفضله/146] وممَّا نقل عن بعض أهل العلم حين كانوا لا يعرفون حكم المسألة أو يجهلونها، ما نُقِلَ عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: (وابردها على الكبد إذا سئل أحدكم عمَّا لا يعلم، أن يقول: الله أعلم) [تعظيم الفتيا لابن الجوزي/81] .
3ـ ألاَّ يكون من أصحاب تتبع الرخص، ومن المتساهلين في فتاويهم وتعليمهم:
والحقيقة أنَّ أصحاب تتبُّع الرخص صاروا يستمرؤون هذه الخصلة وخاصَّة في هذا الزمان، بل صاروا يأتوننا بأسماء جديدة للفقه، فطورًا يقولون: نحن من دعاة (تطوير الفقه الإسلامي) وتارة يقولون: نحن أصحاب مدرسة (فقه التيسير والوسطيَّة) وليتهم كانوا كذلك، فهناك فرق بين التيسير الذي هو سمة الفقهاء الراسخين، والتفريط الذي هو سمة المتساهلين! بيد أنَّ التيسير والترخيص لا يؤخذ إلاَّ من رجل عالم ثبت ثقة، وأمَّا أن يؤخذ ذلك من كل أحد يدَّعي الاجتهاد والتعليم، فإنَّ ذلك هو المرفوض قطعًا، وبما أنَّ الربَّاني يرفض الغلو والتشديد، فهو كذلك يرفض الترخيص والتساهل من غير الثقات، لذا قال الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ (إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التَّشدد فيحسنه كلُّ أحد) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/ 784) فليفرَّق بين أصحاب مدرسة التيسير المتَّبعين لضوابط الشرع، وبين أولي التساهل والتفريط والتمييع وعلى هذا فقس، من أنصار تطويع الفتوى للواقع، وليِّ أعناقها لتواكب هذا العصر وتوازن ميوله واتجاهاته خشية أن يٌنْبَزُوا بأنَّهم متشدِّدون متنطِّعون!.
(يُتْبَعُ)