فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
من محاسنه لا من مساوئه، فجزاه الله تعالى عن دينه وأمانته خيرًا، فإنَّه عديم النظر إلى الآن ـ ثمَّ قال: ـ فقيام هذا القاضي حينئذٍ بقوانين مذهبه، وعدم التفاته إلى الترخيص للناس بما لا تقتضيه قواعد إمامه يدلُّ على صلاحه ونجاحه وفلاحه) [الفتاوى الكبرى الفقهية 4/ 34 بواسطة زجر الفقهاء عن تتبع رخص الفقهاء لجاسم الدوسري/، وكتاب تحذير الفضلاء للمقطري/35ـ36] .
ولهذا فإن المنتسبين لأصحاب مدرسة (فقه التيسيرـ أي التساهل والتمييع لقضايا الشريعة ـ) المدَّعين أنَّهم أولو الوسطيَّة والاعتدال، فإنَّك واجد في كتاباتهم ودروسهم وفتاويهم عجائب من الأقاويل، التي يرون أنَّهم بها قد وافقوا بين الأصالة الفقهية، والمعاصرة الزمانيَّة، ومن ذلك ما قاله الشيخ مصطفى المراغي لأعضاء لجنة وضع لائحة الأصول للأحوال الشخصيَّة ـ وكان رئيسها ـ: (ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنَّه موافق الزمان والمكان، وأنا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلاميَّة يطابق ما وضعتم) [تراجم الأعلام المعاصرين لأنور الجندي/ص48] .
آه من دهر خؤون أهله لا يرون العلم للدين شعارا
طلبوا علمًا بماضي غيرهم حالهم أحسن إذ كانوا صغارا
فإذا ما الشيب في أذقانهم ملؤوا الآفاق ظلمًا وبوارا وقد كان أهل العلم يحذِّرون أشدَّ التحذير من الأخذ برخص العلماء وزلاَّتهم، وأن تُجعل دينًا يدين العبد بها ربَّه، فإنَّ ذلك علامة على ضعف الإيمان، وقلَّة الديانة، قال الأوزاعي: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام) [السير (/15]
4ـ أن يكون له باع طويل في تلقِّي العلم والاجتهاد في تحصيله:
إنَّ ضرورة التأصيل العلمي، وقوَّة التمكن الشرعي، له أثره البالغ ـ ولا شكَّ ـ في أهليَّة العالم أو المعلِّم وقت تعليمه وكتابته وإفتائه، ذلك أنَّه يعطي المتعلِّم أو المستفتي اطمئنانًا لمن يسأله، والقارئ ارتياحًا لما يكتبه الداعية المعلِّم، وقد كان أهل العلم الربَّانيين السابقين منهم واللاحقين يطلبون العلم، ويجتهدون في نيل مرامه، من المهد إلى اللحد، كما قال الإمام أحمد، فكانوا لا يفارقون كواغد العلم، ولا أوراق الشريعة، فهي معهم في حلِّهم وترحالهم، بل لا يتركون معلِّميهم وأساتذتهم في طلب العلم عليهم بثني الركب عندهم، ولك أن تعلم أنَّ إمامًا كابن الجوزي طلب علم القراءات وقد كان باقعة في العلم، علاَّمة في الإدراك والفهم، مشهورًا بين الأنام، ومع ذلك يطلب هذا العلم مع ابنه الصغير وهو في سنِّ السبعين، ولم يكن كبر عمره، وشرف رسوخه في العلم، حائلًا بينه وبين طلب العلم، وملازمة أخذه وإدراكه، والعيش معه ليل نهار، حفظًا واطِّلاعًا وبحثًا ومذاكرة وفهمًا وتعليمًا وإفتاءً، وقد قال علماؤنا بأنَّه: من لم يتقن الأصول حرم الوصول.
إلاَّ أنَّ القضيَّة ـ وللأسف ـ اختلفت وخاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه المستعجلون للتدريس، والمتزبِّبون قبل أن يتحصرموا، والمدَّعون للعلم والعلم بريء منهم (فعلى هذا لا يكتفى بمجرَّد انتسابه إلى العلم، ولو بمنصب تدريس أو غيره، لا سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الجهل، وقلَّ فيه طلب العلم، وتصدَّى فيه جهلة الطَّلبة للقضاء والفتيا، فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب، ولا يعلم صورة المسألة، بل لو طولب بإحضار تلك المسألة وهي في الكتاب لم يهتد إلى موضعها؛ فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون: لقد هزلت حتَّى بدا من هزالها كلاها وحتَّى سامها كل مفلس) [ما بين القوسين من رسالة في الاجتهاد والتقليد ـ للشيخ: حمد بن ناصر بن معمَّر/48ـ49] .
حتَّى قال الأستاذ: مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ: (والحقيقة أنَّنا قبل خمسين عامًا كنَّا نعرف مرضًا واحدًا يمكن علاجه، هو الجهل والأميَّة، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضًا جديدًا مستعصيًا هو(التعالم) . وإن شئت فقل: الحرفيَّة في التعلُّم؛ والصعوبة كلَّ الصعوبة في مداواته. وهكذا فقد أتيح لجيلنا أن يرى خلال النصف الأخير من هذا القرن ظهور نموذجين من أفراد في مجتمعنا: حامل المرقعات ذي الثياب البالية، وحامل اللافتات العلميَّة) [شروط النهضة/91] .
(يُتْبَعُ)