فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولهذا فإنَّ أحد متعالمي زمننا وهو مهندس ميكانيكي أخرجَ كتابًا عنوانه: (إصلاح أكبر خطأ في تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة) حيث يدَّعي أنَّ مسند الإمام أحمد ليس للإمام أحمد وإنَّما لابنه عبد الله، بدعوى أنَّ المسند قبل كلِّ حديث أو أثر مرويٌّ بسنده، يبدأ به بقوله حدَّثنا عبدالله، قال حدَّثنا الإمام أحمد، فخرج هذا المسكين بالنتيجة العلميَّة التي لم يدركها جميع علماء الحديث على مرِّ الزمن، واستخرجها هو بفطنته وعلمه وكياسته، ولم يعلم هذا المتعالم أنَّ مسند الإمام أحمد قد رواه عنه كاملًا ابنه عبدالله، ولهذا كُتب فيه:حدَّثنا عبدالله بن الإمام أحمد، وصدق من قال: العلم فضَّاح لغير أهله.
كلُّ من يدَّعي بما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان
بل وصل بعضنا إلى درجة (الانحطاط الفكري) في تلقِّي العلم الشرعي ممن لم يعرف عنه نبوغه به، فقد حدَّثني أحد العلماء المعاصرين عن أحد الكتَّاب الغربيين الذين انتسبوا لدين الإسلام، أنَّه استضيف في أحد الفنادق، وكان حضور الناس إليه بالمئات، وكان ممَّن حضر ذلك المؤتمر النساء المسلمات، وبدؤوا يسألونه عن كلِّ صغيرة وكبيرة وصاحبنا الغربي لايفتأ يجيب عن كلِّ ما يسأل عنه، حتَّى إنَّ إحدى النساء الحاضرات سألته عن مسألة من مسائل الحيض المشكلة عليها ليجيب عنها بما يراه مناسبًاُ، والعجيب أنَّ المقدِّم له يسأله عن ذلك وهو يعلم أنَّ ذلك الرجل المنتسب لدين الإسلام حديث عهد بإسلامه! فكيف بالله يلج هذا الرجل تلك المداخل وهو قريب عهد بالإسلام؟!.
ورحم الله ابن رشد إذ قال: (كان العلم في الصدور واليوم صار في الثياب) [خلاصة الأثر للمجبي1/ 75ـ بواسطة التعالم للشيخ الدكتور بكر أبو زيد /صـ35] .
ولن أستطرد بذكر شيء من هذا القبيل، فلا أحبُّ أن أنكأ الجراح، ولا أذرَّ الملح على الجراح! ولله درُّ الإمام ابن تيميَّة حين نَقَلَ عن بعضهم: (وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان) [مجموع الفتاوى5/ 118] .
5ـ أن يتلقَّى العلم ممَّن يقدِّر العلماء ويحترمهم:
المسلم الذي يهوى الحق ويطلبه، فإنَّه لابدَّ أن تكون لديه علامة لحبِّ أهل العلم وإنزالهم منزلتهم، واحترام علمهم، وقد أخبرنا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كما في حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه أنَّه قال ـ: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقَّه) [أخرجه أحمد بسند جيد] . بيد أنَّ المطَّلع على حال الكثير من الصحفيين ـ وهم الذين يأخذون العلم من الكتب دون المشايخ ـ كما قال الزمخشري في التعاريف (1/ 449) أو من يتسمَّون بالصحافيين وهم جمَّاعو الأخبار، فسيجد المراقب لكتاباتهم شيئًا عجيبًا من قلَّة احترام العلماء، والاستهانة بعلمهم، بله الاجتهاد في تحقيق كثير من القضايا في مجلاَّت لم تُعرف بروح العلم، بل عرفت بالعلمنة والفسق، ثمَّ يأتي أحدهم ويناقش قضيَّة حكم استماع الموسيقى والأغاني في نصف صفحة، ويعرض قول من شذَّ رأيهم في إجازة الاستماع لتلك المعازف، ويعرض بل يشنِّع ويشغِّب على العلماء الذين أفتوا بحرمتها، وخاصَّة في هذا العصر؛ لأنَّ تلك الفتوى لا تتواءم مع القرن الحادي والعشرين! بينما تجد عند السابقين من طلاَّب العلم قمَّة احترامهم لعلمائهم، فهذا لا يطرق الباب على شيخه إلاَّ بأطراف أصابعه، وهذا يهاب من النظر إليه إجلالًا له واحترامًا، وآخر يخشى أن يزعج شيخه بتصفُّح الأوراق أمامه والانشغال عن درسه بها، وهذا ينتظر شيخه من المساء إلى الصباح وقد سفَّته الرياح حتَّى يفتح الشيخ له بابه، وآخر لا يأتي عند شيخه إلاَّ ويقبِّلُ يده ويدعو له بالخير، وآخر لا يصلي صلاة إلاَّ ويدعو لشيخه بالخير والجنَّة، ورحم الله ربيعة بن أبي عبدالرحمن إذ قال: (الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور أمَّهاتهم) [شرح ابن أبي العز للطحاوية1/ 15] .
(يُتْبَعُ)