فهرس الكتاب

الصفحة 2599 من 20085

أمَّا الآن فتجد أنّ القوم المتعالمين إذا تعلم أحدهم مسألة أو عشر مسائل، بدأ يكتب في الصحف والمجلاَّت والجرائد، وينشر علمه الغزير! فيخطِّئ الأئمة المجتهدين، ويستدرك عليهم ما يظنُّه من زلاَّتهم، بدعوى الحجَّة الزائفة: (هم رجال ونحن رجال) .

ولا شكَّ أنَّ الاحتجاج بهذه المقولة حجَّة ساقطة لوجوه:

الوجه الأوَّل: أنَّ الاحتجاج بهذه الكلمة غير صحيح؛ لأنَّ الذي قالها الإمام أبو حنيفة، كما نقل مقولته عنه ابن حزم ـ رحمه الله ـ: (ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسمعًا وطاعة، وما جاء عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ تخيَّرنا من أقوالهم، ولم نخرج عنهم، وما جاء من التابعين فهم رجال ونحن رجال) [الإحكام لابن حزم4/ 573] فأبو حنيفة حين قال هذه الكلمة، فقد قالها لأنَّه يصنَّف من التابعين، حيث رأى أنس بن مالك، واجتمع مع جمهرة من التابعين الأكابر، فيصدق عليه أنّه رجل وهم رجال لأنَّه هو وهم من التابعين، ومن لنا بعلم أبي حنيفة في هذا العصر، لنقول فيه: هو رجل وهم رجال!.

الوجه الثاني: أنَّ هناك فرقًا عظيمًا بين هؤلاء الرجال العصريين، ومن قبلهم من الرجال السابقين، لأنَّ التابعين هم من القرون المفضَّلة، التي امتدحها رسول الله؛ وهو ما أدَّى بابن رجب إلى أن يؤلِّف كتابًا بعنوان: (فضل علم السلف على علم الخلف) ولذا فإنَّ كلام السلف قليل كثير البركة، وكلام الخلف كثير قليل البركة.

الوجه الثالث: أنَّ من يدَّعي أنَّه رجل ينبغي عليه أن يعرف قدره وقدر الرجال الذين سبقوه، وإذا كان أبو عمرو بن العلاء يقول: (ما نحن فيمن مضى إلاَّ كبقل في أصول نخل طوال) [سير أعلام النبلاء6/ 47] مع أنَّ أبي عمرو يعدُّ في عُرف أهل السير شيخَ القرَّاء والعربية.

فهؤلاء المدَّعون للعلم والشيخوخة في طلبه، لم يعرفوا قدر علمائهم، وإذا كانوا يعدُّون أنفسهم أنَّهم رجال، فإنَّ الرجال يحترم بعضهم بعضًا، وأوْلى بهؤلاء المدَّعين للرجولة أن يقال في حقِّهم ما قاله الشيخ عبدالرزاق عفيفي لأحدهم حين ادَّعى أمامه تلك الدَّعوى قائلًا له: نعم ... هم رجال ... وأنت دجَّال!! ورحم الله مجاهدًا حين قال: (ذهب العلماء فلم يبق إلاَّ المتكلِّمون، والمجتهد فيكم كاللاعب فيمن كان قبلكم) [أخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم/66] فالله المستعان.

وفي الختام: فإنَّ مريد الحق، ومبتغي سبل الهدى، ينبغي أن يحتاط في الأخذ لدينه، وأن يعرف من يؤخذ عنهم العلم، وما صفاتهم، وقد كان علماؤنا الأجلاَّء يُعْنَوْنَ بهذه القضيَّة أشدَّ الاعتناء؛ فقد قال الإمام محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ: (إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم) [شرح مسلم للنووي1/ 84] .

فليس كلُّ من لبس لباس العلم يؤخذ عنه، وليس كلُّ من صدَّره الإعلام والفضائيَّات والصحف يُظَنُّ أنَّه ذلك الرجل الخِرِّيت الذي فقه دين الله، ورضي بمقتضاه، وألمَّ بفحواه، وليس كلُّ من كتب مقالًا أو بحث مسألة شرعيَّة أو كتب كتابًا يعدُّ عالمًا أو طالبًا للعلم، أو مؤهَّلًا لأن يؤخذ عنه العلم، ويكفي أنَّ أئمتنا قالوا: ليس العلم بكثرة الرواية والدراية، ولكنَّه نور يقذفه الله في قلب المؤمن الموفَّق، مصداقًا لقوله تعالى: (واتَّقوا الله ويعلِّمكم الله) [سورة البقرة/8] .

قال الإمام ابن القيِّم: والعلم يدخل قلب كلِّ موفَّق من غير بوَّاب ولا استئذان ويردُّه المحروم من خذلانه لا تشقنا اللهم بالخذلان فاعرف يا ابن الإسلام دينك، واختر لنفسك عالمًا متفقِّهًا في دين الله تنهل منه العلم، وتأخذ عنه الفتوى، وإيَّاك ومشايخ السوء؛ فعنهم ابتعد، ولهم خالف، وعلى آرائهم فاضرب، متأسِّيًا بقول العربي الأصيل: (ليس ذا عشَّك فادرجي) .

كتبت هذا المقال مذكِّرًا بأهمِّيَّة هذه القضيَّة، ومنبِّهًا لها في زمن قلَّ فيه من يعطي لأهل العلم الربَّانيين قدرهم، ويعرف علمهم، وما أنا ـ والله ـ إلاَّ رجل مستفيد من بضاعتهم، متطفِّل على موائدهم، فرحمني الله برحمته، وجعلني ممَّن يهتدي بهدي نبيِّه وصحابته.

أسير خلف ركاب النُّجب ذا عرج مؤمِّلًا كشف ما لاقيت من عوج

فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا فكم لربِّ الورى في ذاك من فرج

وإن بقيت بظهر الأرض منقطعًا فما على عَرَجٍ من ذاك في حرج

سائلًا المولى أن يعصمنا من الفتن، وأن يحفظنا من زلل القول والعمل، والحمد لله ربِّ العالمين

ـ [ابن عقيل] ــــــــ [22 - Aug-2007, صباحًا 10:53] ـ

على حدِّ ما ذكره الشيخ: محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ: (قرأت كتابًا لأحد المهندسين يفسِّر حقيقة الصلاة تفسيرًا لم يعرفه المسلمون طوال أربعة عشر قرنًا، فعجبت لهذا الحمق في خرق الإجماع، وقلت: أما يجد هذا المخترع مجالًا لذكائه في ميدان الهندسة ليتقدَّم فيه بدل أن يشغل نفسه ويشغلنا معه بهذه التوافه) [ليس من الإسلام ـللشيخ: محمد الغزالي/56] .

موضوع طيب الحاجة ماسة إليه ولكن ليتك إبهمت أسم الغزالي على الأقل إن كنت ناقلًا عنه ولا بد فعلمه العقلاني يذم وحربه على السنة وأهلها لا تكاد تخفى على أصغر طالب علم

ويكاد موضوعك ينطبق عليه والله المستعان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت