فهرس الكتاب

الصفحة 2978 من 20085

-ذات يوم كنت أنتظر أحد الزملاء في مكان عام أمام أحد جوامع مدينة الرياض - وكنت سبقت الموعد بما يقارب العشرين دقيقة احتياطا للطريق - لننطلق معًا في زيارة أحد كبار علمائنا - حفظهم الله - وقد مضى على أداء صلاة الظهر - جماعة - قرابة الساعة؛ وإذْ بسيارة رياضية شبابية تأتي مسرعة لتقف بالقرب من موقف سيارتي، وما إن وقَفَتْ حتى نزل منها شابَّان، لا تبعد سِنُّهما عن العشرين عاما تزيد سنة أو سنتين أو تنقص نحوها تقريبا، وكان لباس كلٍ منهما: قميص تنحسر يداه عن العضد ولكنه يستر المنكب، وتوحي صبغته بأحدث ما يتلقَّفه الشباب من الموضة، وعلى كلٍ منهما بنطال (جنز) مُنْحَسِرٍ عن الساقين، يقارب ما يُعرف بالبـ (برمودا) ، و يستر عورة الرجل .. نزلا مُسرِعَين واتجها نحو مصلى النساء! توقفت عن قراءة كُتَيِّبٍ كان بين يديّ، لِما رابني من هذا التصرّف! ولكنهما لم يمهلاني لاستعراض احتمالات ما أرى في لحظة خاطفة .. سرعان ما خرجا واتجها نحو أماكن الوضوء! .. لم يلبثا طويلًا فسرعان ما خرجا واتجها نحو باب المسجد .. رأيت أن أكمل انتظاري داخل المسجد وكنت أظنّه مغلقا قبل أن يدفعا الباب .. دخلته بعد بضع دقائق، وإذا كل منهما قد انفرد يصلي! ورفع أحدهما يديه داعيا، ثم انطلقا متماسكين بيديهما ولوح أحدهما بيده اليمنى وتبعه الآخر مسلِّمين مبتسمين! فبادلتهما التحية والابتسامة بأحسن منها وأزيد .. ابتسامة مقابل ابتسامة، وأزيد منها من فرط فرحتي بهذا المشهد الذي قلَّ أن يعدله مثله فيما رأته العين وهو غير ما تعبِّر عنه الحروف .. لقد كان ما شهدته هو الفصل الأخير من المشهد حيث كانا - حين دخولي - يصليان الراتبة ..

وأصدقكم أنني لم أستغرب هذا المشهد تماما .. ولولا المكان، لما كان مُستغربا أصلا .. فقد رأيت أمثاله في بلدان إسلامية وغير إسلامية من إخوة وأخوات محلّ ثقة في تدينهم وحبِّهم للخير، بل وتبني بعضهم لمشاريع دعوية تتسم بالإبداع لا الابتداع ..

-وهذا شاب قد عبثت بمظهره الموضة إلى حدّ التشويه، يتقدّم إلي مع بعض الإخوة لينطق بكلمات هامسة: بالله سمعنا إيمانيات! وهذه الكلمة ربما يستغربها من لم يعش في مجتمعات اعتادتها عند رؤية من يظنون به خيرًا .. وآخر من مثله رأيته في الصيف الماضي إذْ جاء يسأل: أين أجد تسجيلا للقرآن الكريم كاملا بقراءة الشيخ حسين آل الشيخ!

-وهذه فتاة لم تلتزم بحجابٍ تامٍّ تسأل سؤال تديّن: لو لم أصم يوم الخميس بسبب الامتحان هل أكون آثمة لتركي عملا كنت أداوم عليه؟!

-وأخرى تلبس قميصًا وبنطالًا، وتلف ما اعتادت عليه من حجابٍ على رأسها، تسأل بحسرة: أخي يستمع للموسيقى فكيف أقنعه بتركها؟!

-وهذه طبيبة لم تلتزم بالحجاب مطلقا، لكنها تُلحّ عليك بإحضار بعض الكتيبات التي تتحدث عن الإسلام، بغية إهدائها لزميلتها الكافرة التي لا زالت تسعى في إسلامها وتتحاور معها عن فضل الإسلام ومحاسنه .. وتتمنى أن تسلم على يديها!

-وهذا كهل يلتف حوله أبناؤه في بلدٍ من بلاد الكفر، وقد خِلته وخِلتهم من غير المسلمين لما تراه من مظاهر، لولا أنه سلّم عليك مبتسمًا وحيّاك، ثم سألك: أيجوز لي أن أقصر الصلاة مع أني سأجلس في هذا النُزُل (الفندق) أكثر من أربعة أيام؟!

-وأغرب من ذلك كلَّه ما تجده في أجواء الجاليات الإسلامية، فمن المعقول أن تسمع فتاة من أسرة مسلمة! تسألك سؤالًا جادًا لا هازلًا: لماذا يجوز لأخي أن يتخذ صديقةً ولا يجوز لي أن أتخذ صديقًا!! وهي قصة قد أشرت إليها من قبل في مقال بعنوان: مسلسل الخَور اللعين.

-وأما ما يدعو للاستغراب بحق فهو أن تقف على لقاء مع مغنية، تثني فيه على الله وتبتهل إليه بدعاء! من نحو: الحمد لله! سيخرج ألبومي الجديد هذا العام إن شاء الله! يا رب! .. كنت أظن هذا ونحوه ضربا من التعوّد أو السخرية، حتى علمت من بعض الدعاة في تلك الأجواء بأنَّ الأمر ليس كذلك على كل حال، وأن من تلك الغافلات من عاشت في بيئة جهلٍ، ولبّس عليها غيرُها حتى ظنَّتْ حسنًا ما ليس بالحسن!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت