-وصدق، فقد كنت قرأت مقابلة مع إحدى الفنانات التائبات من أرض مصر - بلاد الأزهر - فوجدتها تصرِّح فيها بأنها لم تعلم أن الحجاب واجب شرعا إلا بعد توبتها بسنتين!! وأن سبب علمها بوجوبه من غير إلزام الزوج به كما كانت تظن! هو أنشودةٌ في الحجاب ردَّدتها بعض الصغيرات احتفاء بها في بيت إحدى الداعيات بالمدينة النبوية قبل أن تعود لبلادها من رحلة عمرة وزيارة للمسجد النبوي ..
-ولعلّ بعضكم يتذكر تلك المشاهد التي تكررت في شوارع مدن بلاد الإسلام .. شباب لا يظهر عليهم من أثر المحافظة ما يُميزهم عن غيرهم، لكنهم كانوا يوزِّعون الملصقات التي تبيّن حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، والملصقات التي تطلب من المسلمين مقاطعة المنتجات الدنمركية ..
-ولعل بعضكم - أيضًا - قرأ أو سمع بتلك المرأة المتبرجة التي كانت مكشوفة الرأس والشعر والعنق وشيئا من الصدر، قد انحسر لباسها عن ساقيها في مظهر بلغ من التفرنج غايته، في عاصمة من عواصم الإفرنج الكبيرة، ولكنّها مع هذا المظهر المزري لم تحتمِل كلمات عِدَاءٍ صليبيٍ في حق نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من قسيس بلغ منه الحقد مداه فوقف يصرخ بها بين مقاعد الحافلة التي كانت المرأة تجلس في الصف الأخير من مقاعدها، فما إن سمعته حتى اتجهت إليه لتصفعه وهي تردد: إلا محمد! إلا محمد! وبدنها يرتجف من شدّة الغيظ وحرارة الغيرة! في حين عاد القس لمقعده في حالة من الذهول ووقع الصفعة غير المتوقعة!
وهاهي مظاهرات المسلمين والمسلمات، تخترق طرق العواصم التي يُذكر فيها نبي الرحمة بسوء، أو يُستهدف بإهانة، فتنقلب المكيدة على أهلها، وينضم إلى ركب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أقوام كثرًا صحوة من غفوة أو إسلام بعد كفر!
3)أيها الكرام إنَّ تحت المظاهر التي قد يتقالّ البعضُ أصحابَها مخابرَ لو علمها المتقالّ لربما احتقر نفسَه أمامها .. وإنَّ انتشار بعض الآراء الفقهية - وإن كانت لا تنهضها أدلتها وفق الأصول - في بلاد دون أخرى وتكوُّنها جزءًا من الثقافة الإسلامية لمجتمع ما، لا يعني أن أتباعه محادّون لله في شرعه، أو متنكِّبون عن قصدٍ سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فرسوخ الآراء الفقهية مع الزمن تجعل الأتباع - حتى من بعض طلبة العلم - لا يتوقفون كثيرًا عند المراجعة الشرعية التأصيلية للمسلمات المتوارثة في المجتمع، ولاسيما إذا تلقاها علماء بلدٍ أو غيره عن آخرين ممن يثقون في تدينهم .. فيرقى الأمر عند بعضهم حتى يبلغ طالبُ العلم مرتبة المشيخة وهو يتلبّس مخالفةً يشير إليها عيبًا قادحًا عوامُّ بلدٍ ساد فيه القول الراجح وفق أصول الترجيح المعتبرة.
4)إنَّي لأنظر إلى هذه المشاهد التي ذكرتُ بعضها ونبّهت إلى غيرها، بوصفها بعض المباهج التي تظهر أوقات التمايز .. ولكن بعض أحبتنا يتشاءمون .. وليس ثم داعٍ لمن عرف تطور الصحوة؛ فليبشروا بالخير، وليسألوا كبار السنِّ عن الشباب في زمن شبابهم وعن الشباب زمن كهولتهم ليعرفوا أنَّ مجتمعاتِ أمتنا تقترب من دينها وتأوي إليه شيئًا فشيئًا، وإن ظهر منها ما يوحي بخلاف ذلك، لجهل أو غفلة أو صبوة شباب أو غيره .. فشبابنا مهما ساروا خلف الموضة، ووقعوا فيما لا يزينهم شرعا من مخالفة، فهم منا وقلوبهم منعقدة على حب الله ورسوله، وإن نال منها الإعلام ووطَّأ لهم سن المراهقة وصبوة الشباب ..
إن التوبة في صفوف الغافلين، وما يعرف (بأهل الفن) مثلا، أو الشعور بالإثم في عبارات بعضهم مع تمني التوبة، لهو رحمة من الله لهم، تتمثل في بقايا ضميرٍ حيٍ لم تُفلح في اجتثاثه جرعات السوء المتتالية، فلا أمن لأهل الباطل من عودة ضالٍ إلى الهدى، ولا فرحةِ لهم في غواية فتاةٍ ولا صبوة شاب ..
إنَّ لحظات الإيمان لتتجدّد في ظروف منها ما يمكن تفسيره، ومنها ما لا يعلم سرّه إلا الله تعالى .. فمن ذا الذي كان يظن إسلام عمر رضي الله عنه وعظيم جهده في نصرة الحق، بلْه خلافته في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعبقريته في فهم الإسلام؟!
(يُتْبَعُ)