فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
التي يكثر و قوعها مفسدة مع أن الظن الغالب فيها المصلحة , و لعل هذا ما عده العلماء مغالاةً عند مالك , ولقد دافع عنه الشاطبي رحمه الله في ذلك و أبان الحق للعلماء فقال:"إن مالك اعتبرهُ في سد الذرائع , بناء على كثرة القصد وقوعًا , و ذلك أن القصد لا ينضبط في نفسه لأنه من الأمور الباطنة , لكن له مجال هنا و هو كثرة الوقوع في الوجود أو هو مظنة ذلك , فكما اعُتبرت المظنة و إن صح التخلف كذلك تعتبر الكثرة لأنها مجال القصد , ولهذا أصل وهو حديث أم ولد زيد ابن أرقم وهو ماروي عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها فقالت أم ولد زيد بن أرقم:"إني نظير غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن يتوب". فترى أنَّ الشاطبي رحمه الله علَّلَ اعتبار مالك كثرة الوقوع مفسدة محل غلبة الظن , بأن غلبةُ الظن في القصد ممنوعة لأن القصد باطن لا ظاهر , و لكنَّ كثرة الوقوع مظهر لهذا القصد بدليل إقبال الناس عليه , وهذا يحل محل غلبة الظن , مع العلم أن غلبة الظن هي في تحقيق المفسدة في ذات الفعل و الكثرة في الوقوع دليل على إيراد هذه المفسدة على هذا الوجه وقد وضح ذلك حديث أم ولد زيد ابن أرقم فها الصحابي الذي شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المواقع كلها لا يقبل فيه قصد الربا فكان غلبة ظنه أن هذا الوجه في البيع جائز لكن ظنه هذا لم يوافق واقعًا بل إن وقع البيع ممنوع وظنه باطل , أكد ذلك تغليظ أم المؤمنين له , والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا توقيفًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك عنه , و سبب التغليظ , لأن ذلك البيع يعد ذريعة إلى الربا فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم , وكذلك روي عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما .."
4 -الشاطبي و العادات:
أخذَ الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بالعادات و استثمرها بطريقة غريبة ناظر فيها عادات العرب التي اعتبرها الشرع الحنيف , بما توارث الناس من عادات أخرى , وهو منهج الإمام مالك حيث يقول الشيخ أبو زهرة:"ثانيهما: أن مالكًا كان يتجه إلى العادات القانونية التي كانت معروفة عند أهل المدينة , فيضفي عليها مسوحًا دينيةً , و أن تلك العادات هي صورةٌ للعادات العربية القديمة , لم تتفق بعد مع الدين تمامًا ولكنها عادات نشأت من محيط المعاملات , وقد ظهر بعضها لمالكٍ كأنه السنة , أو حمَّله اسم السنة , وليس ذلك إلا إصباغا لعادات قانونية عربية بصبغة الدين , و إزالة لما عساه يكون مخالفًا للدين من هذه العادات.", و معنى ذلك أن الإمام الشاطبي رحمه الله وشيوخ المذهب المالكي قاموا بتصفية تلك العادات و تقريبها إلى الإسلام بما يقبله الإسلام و لا يرده , أما ما خالفه فقد تركوه و وازعهم في ذلك أن مجمل هذه العادات عادات عربية قديمة اعتبر التشريع صورًا كثيرةً منها , و قوََّمََ بعضها فكانت منهجية الإمام الشاطبي لينة تستوعب ما وافق التشريع و تترك ما خالفه من عادات توارثتها الأجيال , ولقد نص الإمام الشاطبي رحمه الله على ذلك فقال:"كل أصل علمي يُتخذُ إمامًا في العلم فلا يخلو أن يجريَ به العمل على مجرى العادات في مثله , بحيث لا ينخرمَ منه ركن و لا شرط أو لا , فإن جرى فذلك الأصل الصحيح. و إلا فلا .."وهذا يعني أن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى اعتبر الدليل على صلاح الأصل الشرعي للاستدلال جريانه مع أعراف الناس و عاداتهم و جعل لذلك شرطًا: وهو عدم مخالفة أحد أركان هذا الأصل لمجرى العادات , ولقد عبر عن ذلك صراحة بقوله:".. فإذن كل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري فلم يطردَ ولا استقام بحسبها في العادة فليس بأصل يعتمد عليه ولا قاعدة يستند إليها".
منهج الشاطبي الفقهي:
لقد كان الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى مالكي المذهب درس في مدرسة غر ناطة حيث شاع مذهب مالك بلاد الأندلس جميعها , حيث ينقل لنا الشيخ محمد أبوزهرة قول القاضي عياض في بيان البلاد التي انتشر بها مذهب مالك فيقول"غلب مذهب مالك على الحجاز و البصرة و مصر , و ما وآلاها من بلاد أفريقية و الأندلس و صقلية و المغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا , وظهر ببغداد ظهورًا كثيرًا ثم ضعف بعد أربعمائة سنة , وظهر بنيسابور , وكان بها و بغيرها أئمة و مدرسون ...", فتتلمذ على يد مشايخها و تميز بالفهم العميق , مما أهله بعد ذلك أن يخرج كنوزه للناس ما لم يفعله سواه من مشايخ هذا المذهب , وهو الذي كشف الحجاب عما قصد إليه مالك ولم يعبر عنه صراحة بل وضع أسس بنيان شامخ جاءت مدرسة الشاطبي المقصدية ثمرة من ثماره , ثم نظرته للتعليل ثمرة أخرى.
المصادر
رسالة ماجستير"تعليل الأحكام الشرعية عند الإمام الشاطبي"للباحث عدنان على اسبيته من خلال دراسة كتابي الإمام الشاطبي"الموافقات في أصول الأحكام و كتابه الإعتصام", نوقشت الرسالة في الجامعة الإسلامية بغزة بتاريخ21/ 9/2005 على يد د. محمد يونس و د. ماهر الحولي تحت إشراف د. زياد مقداد.
وكتاب"تهذيب الموافقات"لمحمد بن حسين الجيزاني طبعة دار ابن الجوزي.
(يُتْبَعُ)