فهرس الكتاب

الصفحة 3569 من 20085

لكنَّ تقبُّلَ هذا الخلافِ بغيرِ إنكارٍ وتَبيينٍ للحقّ: يؤدي إلى التباس الحق بالباطل، والسنة بالبدعة، والإيمان بالكفر، والهداية بالضلالة، وإقرارِ الفِرَق الضالَّة المبتدعة على ما عندهم من ضلالات وبدع، وتعطيلِ فريضةِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يخفَى ما في ذلك من الفساد الكبير، والضلال المبين، ومخالفة سبيل المؤمنين، ومتابعة أصحاب الجحيم؛ وبهذا يتبين أنَّ وضع ذاك"المُنْصَف!"لمسائل العقيدة غير المختلف فيها بين السلف أهل القرون الثلاثة المفضلة والمسائل الفقهية التي هي محل خلاف معتبر؛ من عهد السلف إلى يومنا هذا: هو وضع للأشياء في غير موضعها، وجمع بين المختلفين على تباين ما بينهما؛ فكيف يسوغ لمن ادعى الإنصاف: أن يلحق قطعيًّا بظني، وإجماعيًّا بخلافي؛ فقد أجمع علماء الفرق سنيهم وأشعريهم ماتريديهم ومعتزليهم زيديهم ورافضيهم: أن الخلاف في مسائل العقائد الإجماعية غير سائغ، وأن المخالف في ذلك لا يخلو من بدعة أو كفر، ولم يلحق أحد منهم - فيما نعلم - الخلاف في العقائد والأصول بالخلاف في الفقهيات والفروع؛ فالتسوية بينها مغالطة ظاهرة، ومناورة مكشوفة؛ بل ذلك لعمر الحق عينُ المحال الباطل، والضلال العاطل.

أما الأشاعِرة، ففرقةٌ تَنْتَسِبُ إلى الإمام أبي الحسن الأشعريّ - رحمه الله - وقد مرَّ الأشعريُّ بمراحلَ - كما ذكر ذلك ابن عساكر في"تَبْيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري"وابنُ كثير والزبيدي وغيرُهم - مرحلة"الاعتزال"، ثم"متابعة ابن كُلَّاب"، ثم"موافقة أهل السُّنة والجماعة"على أكثر عقائدهم، وعلى رأسهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل.

وقد صرَّح الأشعريُّ بهذا الموقف الأخير في كتبه الثلاثة:"رسالة إلى أهل الثغر"، و"مقالات الإسلاميين"، و"الإبانة عن أصول الديانة"، وهذا الأخير آخر ما ألف ومنه يؤخذ معتقده الذي مات عليه وبه يلقى الله - إن شاء الله - فمن تابَعَ الأشعريَّ على هذه المرحلة الأخيرة؛ فهو موافقٌ لأهل السُّنة والجماعة في أكثر المقالات.

ومن لزِمَ طريقَتَهُ في المرحلة الثانية - كما هو حال الأشعريَّة منذ أن حرف الجويني أبو المعالي عقيدة الأشعري ومن بعده الرازي والآمدي والإيجي حتى آخر أشعري في يوم الناس هذا: فقد خالفَ الأشعريَّ نفسَه، والأشعري من عقيدته براء، وخالفَ - أيضا - أهل السُّنَّة والجماعة في أكثر مقالاتهم.

هذا؛ وقد ردَّ أهل السُّنة عليهم خطَأَهُم، وبيَّنوا مخالفاتِهم، وأظهروا انحرافهم عن ِمُعتَقَد السَّلف الصَّالح أهلِ السنة والجماعة، والطائفة الناجية المنصورة بالأدلة البينات، والبراهين الجليات، والحجج الناصعات؛ وإنك لواجد ذلك - بأجزل عبارة، وألطف إشارة، وأعظم دلالة، وأبين حجة، وأظهر محجة - عند شيخ الإسلام، والعلم الهمام، وبركة الأنام، شيخ الإسلام والمسلمين، إمام الأئمة المهديين، سيد الأولياء، هادي الأتقياء، من قهر الأشاعرة، وألحق بهم سلفهم من المعتزلة والفلاسفة، من جمع بين العقل والنقل بعد أن كانا متعارضين في نفوس أهل الضلالة والمين، من جعل الاعتزال والرفض مذ كان إلى الآن في سفول وخفض، من صير منهاج كرامتهم منهاجا لندامتهم، وان مطهرهم أولى أن يكون ابن منجسهم، كاسر الطواغيت الجامدة للرازي والآمدي، ناقض التأسيس بعد أن أحاط بهم تلبيسُ إبليس، وانظر مجموع فتاواه النفيس، نور القلوب والنفوس؛ ليعلم شانئه أنه من جنود إبليس، من ٌقرأ له علم، ولزم الجادة وسلم، ومن نظر في كتبه، زاد الله في بصيرته وأدبه؛ أتدري من هُوْ؟! ومن أي جهة هَوَاهُوْ؟! قاتل الله شانيه، وأبعد من خالفه فيما لا حجة فيه، إنه شيخ الدنيا بلا منازع، وإن نازع في ذلك من نازع، العلم الخفاق، ومن طار ذكره في الآفاق؛ إنه أبو العباس، وسيد الناس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، ذي الصفات العلية، والنعوت الجلية، العابس في وجوه المبتدعة والجهمية، والحامد لربه ذي الأعطيات السنية، ذي الحلم على البرية، السالم من أعدائه، والمسالم لأوليائه، تُيِّم به أهل السنة النبوية، وأحبه أهل السيرة المرضية والطريقة السوية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت