فهرس الكتاب

الصفحة 3584 من 20085

في الفتنة، فإذا حزَبَ الأمر اتخَذَ من أحدهماطليعة، ومن الآخر جيشًا، ومن الشهرة أو الشرف رِدْاء؛ ولكنَّ أغلبَ النَّزَعاتعليه، النَّزعة الطرقيَّةُ لأنها أكثرُ فائدة، وأجدى عائدةً؛ وأقرب سبيل، في بابالتضليل، ناهيك بدعوى لا يحتاج صاحبها إلى إقامة دليل.

كان بلاءُ هذا الرجلمحصورًا في محيط، ومقصورا على قطر، وكان إخواننا في المغرب يعالجون منه الداءالعضال: وكنّا نعدُّ أنفسنا آثمين في السُّكوت عنه، وفي القعود عن نصرة إخواننافي دفع هذا البلاء الأزرق؛ فلمّا تَنَبَّهَت عقولهم لكيده، وتفَتَّحَتْ عيونهملمكره، وتَهاوتْ عليه كواكب الرَّجْمِ من كل جانب، فَبَطَلَ سِحْرُهُ، وقَصُرَتْرُقَاهُ عن الاستِنْزال، وضلَّ سَعْيُهُ، وقَلَّ رَعْيُهُ - انقلب استعمارًامحضًا قائمًا بذاته، وهاج حقده على الأحرار والسلفيين فترصَّدَ أذاهم في الأنفسوالأموال والمصالح، وأصبح كالعقرب، لا تلدغ إلا من يتحرَّك ...

ولكن السوأةالتي لا تُوارى، والزلة التي تضيق عنها المغفرة، والعظيمة التي يستحيي الشيطان أنيوسوس بها، والشنعاء التي لا يقدم عليها إلا من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق في علمالشر - هي اجتراؤه في فورة الاستعمار الأخيرة على أعلى رمز تتمثل فيه أماني الوطن،وأمنع كنف يلوذ به السلفيون الأبرار، والوطنيون الأحرار.

إن الخطايا قد تحيطبصاحبها فيقتل نفسه مثلا، ولكن ما صدّقنا أن الحال ينتهي به إلى قتل أمَّة إلاّهذه المرّة؛ وإن الزلل ليرسخ إلى أن يصير خُلُقًا وعادة، ولكن ما عهدنا أنه يفضيبصاحبه إلى هذه الدركة التي لا تُبْلَغُ إلا بخذلان من الله، وما كنّا نتصوّرُأنَّ شرَّ شرّير يتَّضعُ قدره إلى هذا الحد، أو يتسع صدره لحمل هذا الوسام؛وسبحان من يزيد في الخلق ما يشاء.

وكأنَّ الرَّجُلَ أخذ فيما أخذ عن الاستعمارطريقة التوسع، وكأنَّه أصغَرَ المغربَ - على سَعَته - أن يكون مجالا لألاعيبهومكايده، فجاوز في هذه المرة الحدود، وتخطّى الأخدود، واندفع إلى الجزائر و تونسليبث فيهما سمومه، ويتخذ منهما ملعبا جديدا لرواياته التي منها مؤتمر الزوايابالجزائر، وليقوم للحكومة بما عجزت عنه من استئلاف النافر، واستِنْزال العاقّ،وليوحِّد بين الأقطار الثلاثة ولكن بالتفريق، وليُنقِذَها من البحر ولكنبالتغريق.

كان عبدُ الحيّ فيما مضى يزور هذا الوطن داعيا لنفسه أو مدعوًّا منأصدقائه، وهم طائفة مخصوصة، فَكُنَّا نولِّيهِ ما تولَّى. ولا نأبه به؛ وكانتتبلغنا عنه هنَات كاختصاصه بالجهال وهو عالم، وانتصاره للطرقية وهو محدّث؛ إلىهنات كلها تمس شرف العلم وكرامة العالم، فكنا نُحَمّلُهُ ما تحمَّلَ ولا نبالي به؛ وكان يزور لماما، ويقيم أياما، ولكنه - في هذه المرة - جاء ليتمّم خُطَّة، ودخلالباب ولم يقل حِطَّة؛ وصاغ في الجزائر حلقات من تلك السّلسلة التي بدأ صنعَها فيالمغرب؛ ودلَّتْنا على ذلك شواهد الأفعال والأقوال والملابسات والظروف؛ ثم زارتونس ليؤلّف فيها (تكميل التقييد) (2) ، وكأنه يتحدى بهذه الرّحلة الطويلة رحلةَأبي الحسن المريني (3) . وشتان بين الرحلتين. تلك كانت لتوسيع الممالك؛ وهذه كانتلتوزيع المهالك؛ ويا ويحَ الجزائر المسكينة، كأن لم تكفها الفتن المتماحلة حتىتُزاد عليها فتنة اسمها (مؤتمر الزوايا) ، ولم تَكْفِها النَّكَبَاتُ المتوالية حتىتضاف إليها نكبة اسمها"عبد الحي".

إن في رحلة عبد الحي هذه لآيات؛ منها أنالحكومة أحستْ بإعراض من رجال الزّوايا، وانصراف عما تريده منهم بطرقها القديمة،فأرادت أن تؤيِّدَ قُوَّةَ القهر بقوّة السحر؛ فكان عبد الحي الساحر العليم؛ وآيةذلك أنه زار كلَّ واحد من مشايخ الطرق في داره، وأقام عنده الليالي والأيام،ونعتقد أنه تعب في إقناع الجماعة ولمِّ شملهم؛ وقد سمعنا من عقلائهم عباراتِالتَّشائم بِمَقْدَمه في هذه الظروف، والتَّبَرُّم بتكاليفه في هذه السنواتالعِجاف؛ وإن ضيافة هذا الرَّجل وحدها لأزمة مالية مستقلَّة؛ ولو كان للجماعة شيءمن الشّجاعة لَوَلّوه الظَّهْرَ، وصارحوه بالنهر؛ ولكنَّ الشّجاعة حظوظ،والصّراحة أرزاق.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت