ويُقال في جواب ما شأنه؟ إنه الشأن كله؛ ونُقْسمُبالله الذي خلق الحيَّ وعبد الحي، أنه لولاه لَما خطر مؤتمر الزَّوايا على بالواحد منهم، حاش حواريَّ عبد الحي بتلمسان، وهو رجل ليس فيه من صفات الحواريين إلاالصَّيد، وليس هو من الزوايا في قبيل ولا دبير، ونحن أعرف بالجماعة من عبد الحي،وقد انصرفوا في السنوات الأخيرة إلى أعمالهم الخاصة وساروا في هوى الأمَّة،وشاركوا في مشاريعها العامة بقدر الاستطاعة؛ ولو سَمِعوا نصائحنا لَتَوَلَّواقيادتها من جديد ولكن بالعلم وإلى العلم؛ وعلى ماهم عليه فإن القسوة لم تبلغ بهمإلى معاكسة شعور الأمة، حتّى يُعرِسوا في مأتَمِها، لولا هذا المخلوق.
ثم نسألعبد الحي: لماذا لم يفعل في المغرب ما فعله في الجزائر فيجمع الزَّوايا علىالدَّعوة إلى التعليم؟ إنه لم يفعل لأنه لا يرى زاويةً قائمة إلا زاويته، وكل ماعداها فمنفرجة أو حادَّة كما يقول علماء الهندسة؛ ونسأل رجال الزّوايا: لماذا لميجتمعوا لمؤتمرهم قبل مجيء عبد الحي؟ و هل هم في حاجة إلى التّذكير بلزوم العلموالتعليم حتى يأتيهم عبد الحي بشيء جديد في الموضوع؟
يا قوم، إن الأمر لمدبَّر؛ إن الأمر لمدبر علمه مَن علمه منكم وجهِله مَن جهله؛ و ما نحن بمتزيدين ولامتخرصين.
و لو أن عبد الحي كان غير من كان، ونزل باسم العلم ضيفا على الأمةالجزائرية غيرَ متحيز إلى فئة، وغير مسيّر بيد، وغير متأبط لشر - للقي منها كلإكبار وتبجيل، ولو أضافته على الأسوديْن التمر والماء؛ وإن ذلك لأعظم إعلاءًلقدره، وإغلاءً لقيمته.
ولقد كان من مقتضى كون الرجل مُحدِّثًا أن يكونَسَلَفِيَّ العقيدة وقَّافا عند حدود الكتاب والسنَّة، يرى ما سواهما من وسواسالشيطان؛ وأن يكون مستقلا في الاستدلال لِما يؤخذ وما يترك من مسائل الدين؛ و قدتعالتْ هِمَمُ المحدِّثين عن تقليد الأئمة المجتهدين، فكيف بالمبتدعة الدجَّالين؛وعُرِفوا بالوقوف عند الآثار والعمل بها، لا يَعْدونها إلى قول غير المعصوم إلا فيالاجتهادات المحضة التي لا نصّ فيها؛ ولكن المعروف عن هذا المحدّث أنه قضى عمره فينصر الطرقية وضلالات الطرقيين و مُحْدَثاتهم بالقول والفعل والسّكوت؛ وأنه خصملدود للسّلَفيين، و حربٌ على السلفية؛ وهل يرجى ممن نشأ في أحضان الطرقية، وفتحعينيه على ما فيها من مال وجاه وشهوات ميسّرة ومخايل من الملك - أن يكون سلَفيًّاولو سلسل الدنيا كلها بمسلسلاته؟
إن السلفية نشأة وارتياض ودراسة؛ فالنشأة أنينشأ في بيئة أو بيت كل ما فيها يجري على السُّنة عملا لا قولا؛ والدّراسة أن يدرسمن القرآن والحديث الأصول الاعتقادية، ومن السيرة النبوية الجوانب الأخلاقيةوالنفسية؛ ثم يروض نفسه بعد ذلك على الهَدْي المعتصر من تلك السيرة وممن جرى علىصراطها من السَّلف؛ وعبدُ الحي مُحَدِّثٌ بمعنى آخر، فهو (رواية) بكل ما لهذهالكلمة من معنى. تتصل أسانيده بالجن والحن و رَتَن الهندي (4) ، وبكل من هب ودب،وفيه من صفات المحدثين أنه جاب الآفاق، ولقي الرجال، واستوعب ما عندهم منالإجازات بالروايات، ثمّ غلبت عليه نزعة التجديد فأتى من صفات المحدَثين (بالتخفيف) بكل عجيبة، فهو مُحَدِّثٌ مُحْدِثٌ في آن واحد؛ وهمُّه وهمُّ أمثالهمن مجانين الرواية حفظ الأسانيد، وتحصيل الإجازات، ومُكاتبة علماء الهند والسندللاستجازة، وأن يرحلَ أحدهم فَيَلْقَى رجلا من أهل الرواية في مثل فَواق الحالب،فيقول له: أجَزْتُك بكل مروياتي ومؤلفاتي إلى آخر (الكليشي) (5) ؛ فإذا عجز عنالرحلة كتبَ مُسْتَجيزا فيأتيه عِلم الحديث بل علوم الدنيا كلها في بطاقة ... أهذاهو العلم؟ لا والله، وإنما هو شيء اسمه جنون الرواية.
(يُتْبَعُ)