وقد أصاب كاتبَ هذهالسطور مسٌّ من هذا الجنون في أيام الحداثة، ولم أتبيَّن منشأه في نفسي إلا بعد أنعافاني الله منه وتاب عليّ؛ ومنشؤه هو الإدلال بقوة الحافظة، وكان من آثار ذلكالمرض أنني فُتنت بحفظ أنساب العرب، فكان لا يُرضيني عن نفسي إلا أن أحفظ أنسابمضر وربيعة بجماهرها ومجامعها، وأن أنسُب جماهيرَ حِمير وأخواتها، وأن أعرف كل ماأثر عن دغفل في أنساب قريش، وما اختلف فيه الواقدي و محمد بن السائب الكلبي؛ ثمّفُتِنْتُ بحفظ الأسانيد، و كدتُّ ألتقي عبد الحي في مستشفى هذا الصنف من المجانينبالرواية، لولا أن الله سَلَّمَ، ولولا أن الفطرة ألهمتني: أن العلم ما فُهِمَ وهُضَمَ، لا ما رُوِيَ وطُوِي.
ـ [أبو سهل الحزين] ــــــــ [18 - Sep-2010, مساء 04:06] ـ
زُرْتُ يوما الشيخ أحمد البرزنجي - رحمه الله - في داره بالمدينة المنورة وهو ضرير، وقد نُمي إليه شيء من حفظي و لزومي لدور الكتب، فقال لي بعد خوض في الحديث: أجزتُك بكل مروياتي من مقروء ومسموع بشرطه ... إلخ. فألقى في روعي ما جرى على لساني وقلت له: إنك لم تعطني علما بهذه الجُمَلِ، وأحْرأن لا يكون لي ولا لك أجر، لأنك لم تتعب في التلقين وأنا لم أتعب في التلقِّي؛فتبسم ضاحكا من قولي ولم ينكر، وكان ذلك بدأ شفائي من هذا المرض، وإن بقيت فيالنفس منه عقابيل، تَهيج كلَّما طاف بي طائف العُجب والتعاظم الفارغ إلى أنتناسيته متعمدا؛ ثم كان الفضل لمصائب الزمان من نسيان البقية الباقية منه؛ وإذاأسفت على شيء من ذلك الآن فعلى تناسيّ لأيام العرب، لأنها تاريخ، وعلى نسيانيأشعار العرب، لأنها أدب.
وحضرت بعد ذلك طائفة من دروس هذا الشيخ في صحيحالبخاري على قلَّتها وتقطعها؛ وأشهَد أني كنت أسمع منه علما وتحقيقا؛ فقلت لهيوما: الآن أعطيتني أشياء وأحْرِ بنا أن نوجَرَ معا، أنت وأنا؛ فتبسَّم مبتهجاوقال لي: يا بني هذه الدراية، وتلك الرواية. فقلت له: إنَّ بين الدراية والعلمنسبًا قريباًََ في الدلالة، تُرادفه أو تقف دونه؛ فما نسبة الرواية إلى العلم؟ وقطع الحديث صوت المؤذن، وقال لي بعد الصلاة: حدثني بحديثك عن نسبة الرواية إلىالعلم، فقلت له ما معناه: إن ثمرة الرواية كانت في تصحيح الأصول وضبط المتونوتصحيح الأسماء، فلما ضُبطت الأصول وأُمن التصحيف في الأسماء خفّ وزن الرّوايةوسقطت قيمتها، وقلت له: إن قيمة الحفظ - بعد ذلك الضبط - نزلت إلى قريب من قيمةالرواية، وقد كانت صنعة الحافظ شاقة يوم كان الاختلاف في المتون فكيف بها بعد أنتشعب الخلاف في ألفاظ البخاري في السند الواحد بين أبي ذر الهروي، والأصيلي،وكريمة، والمستملي، والكشميني، وتلك الطائفة، وهل قال حدثني أو حدثنا أو كتابأو باب؛ إن هذا التطويل ما فيه طائل. ولا أراه علما بل هو عائق عن العلم؛ وقلتله: إن عمل الحافظ اليونيني على جلالة قدره في الجمع بين هذه الروايات ضرب في حديدبارد، لا أستثني منه إلا عملَ ابن مالك؛ وإن ترجيح ابن مالك لإعراب لفظة لأدلّعلى الصحة في اللفظ النبوي من تصحيح الرواية، وقد يكون الراوي أعجميا لا يقيمللإعراب وزنا؛ فلماذا لا نعتمد إلى تقوية الملكة العربية في نفوسنا، وتقويمالمنطق العربي في ألسنتنا، ثم نجعل من ذلك موازين لتصحيح الرواية، على أن التوسعفي الرواية أفضى بنا إلى الزهد في الدراية، وقلت له: إنك لو وقفت على حلقالمحدّثين بهذا الحرم، محمد بن جعفر الكتاني ومحمد الخضر الشنقيطي وغيرهما لسمعترواية وسردا، لا دراية ودرسا، وإن أحدهم ليقرأ العشرين والثلاثين ورقة من الكتابفي الدولة الواحدة فأين العلم؟ وقلت له: إن من قبلنا تنبهوا إلى أن دولة الروايةدالت بضبط الأصول وشهرتها فاقتصروا على الأوائل، يعنون الأحاديث الأولى من الأمهاتوصاروا يكتفون بسماعها أو قراءتها في الإجازات؛ وما اكتفاء القدماء بالمناولةوالوجادة إلا من هذا الباب.
قلت له هذا وأكثرَ من هذا وكانت معارفُ وجهه تدلعلى الموافقة ولكنه لم ينطق بشيء؛ وأنا أعلم أن سبب سكوته هو مخالفة ما سمع لماألفَ - رحمه الله.
(يُتْبَعُ)