ولقيت يوما الشيخ يوسف النبهاني - رحمه الله - بباب من أبوابالحرم فسلّمت عليه فقال لي: سَمعت آنفا درسَك في الشمائل، وأعجبني إنحازك باللومعلى مؤلفي السِّير في اعتنائهم بالشمائل النبوية البدنية، وتقصيرهم في الفضائلالروحية، وقد أجزتك بكل مؤلفاتي ومروياتي وكل مالي من مقروء ومسموع من كل ما تضمنهثبتي ... إلخ. فقلت له: أنا شاب هاجرت لأستزيد علما وأستفيد من أمثالكم ما يكملنيمنه، وما أرى عملكم هذا إلا تزهيدا لنا في العلم؛ وماذا يفيدني أن أروي مؤلفاتكوأنا لم أستفد منك مسألة من العلم؟ ولماذا لم تنصب نفسَك لإفادة الطلاب؟ فسَكتَ،ولم يكن له - رحمه الله - درس في الحرم، وإنما سمعت من خادم له جَبَرْتي أنه يتلقىعنه في حجرته درسا في فقه الشافعية.
وكان بعد ذلك يُؤثر محلي على ما بيننا منتفاوت كبير في السن، وتباين عظيم في الفكرة. رحم الله جميع من ذكرنا وألحقنا بهملا فاتنين ولا مفتونين.
أما أولئك السلف الأبرار فعنايتهم بالرواية والرجالراجعة كلها إلى الجرح والتعديل الذين هما أساس الاطمئنان إلى الرواية، وقد تعبوافي ذلك واسترحنا؛ وما قولكم - دام فضلكم - لو فرضنا أن محدث القرن الرابع عشرومسندَه عبد الحي عُرضَ بعُجَره وبُجَره على أحمد بن حنبل، أو على يحي بن معين،أو عليّ بن المديني، أو على من بعدهم من نقَّاد الرجال الذين كانوا يجرحون بلحظة،ويسقطون العدالة بغمزة في العقيدة، أو نَبْزَة في سيرة، أو بغير ذلك مما يُعَدُّفي جنب عبد الحيّ حسنات وقُرُبات -فماذا نراهم يقولون فيه؟ وبماذا يحكمون عليه؟ خصوصا إذا عاملوه بقاعدة (الجرح لا يُقبَل إلا مفسَّرا) .
وبعدُ (فقد أطال ثنائي طول لابسه) (6) فليعذرنا عبد الحي؛ ووالله ما بيننا وبينه تِرَةٌ ولا حسيفة؛ ووالله ما في أنفسنا عليه حقد ولاضغينة؛ ووالله لوددنا لو كان غيرَ من كان، فكان لقومه لا عليهم، وإذًا لأفاد هذاالشمال بالكنوز النبوية التي يحفظ متونها، ونفع هذا الجيل الباحث الناهض المتطلعبخزانته العامرة، وكان رُوّاد داره تلامذةً يتخرجون، لا سُيَّاحًا يتفرَّجون؛وعلماء يتباحثون، لا عوامَّ يتعابثون، ولكنه خرج عن طوره في نصر الضلال فخرجنا عنعادتنا من الصبر والأناة في نصر الحق؛ وجاء يُؤَلِّبُ طائفة من الأمة على مصالحالأمة، فهاج الأمة كلها، وهاج معها هذا القلم الذي يمج السمام المُنقَع، فنفثهذه الجُمل، وفي كل جملة حَملة، وفي كل فقرة نقرة؛ فإن عاد بالتوبة، عدنابالصفح؛ وإن زاد في الحَوْبَة، عدنا على هذا المتن بالشرح؛ ولعل هذا الأسبوع هوأبرك الأسابيع على الشيخ، فقد أملينا فيه مجالس في مناقبه جاءت في كُتَيّب،سميناه - بعد الوضع-"نشر الطيّ، من أعمال عبد الحي"فإن تاب َوأَدْناهُ، ووفيناهبما وعدناه، وإلا عممناه بالرواية، وأذنّا لعبد الحي في روايته عنا للتبرك واتصالالسند؛ وهو أعلم الناس بجواز رواية الأكابر عن الأصاغر.
ـــــــ
المصدر: آثار الإمام محمد بشير الإبراهيمي. وقد نشر في جريدةالبصائر سنة 1948.
1 -كتاب في أصول الوظائف الشرعية للخزاعي، اختلس الكتانينسخة خطية منه من مكتبة عمومية بتونس، ولما ألحوا عليه في إرجاعها وهددوه بتدخلالحكومة، سلخ الكتاب ونسخه في كتاب نسبه إلى نفسه وسماه التراتيب الإدارية.
2 -اسم كتاب في الفقه لابن غازي جاء اسمه مطابقا لسعة أعمال عبد الحي، ونحن نريدالمعنى الوفي للكلمتين، فقد جاء الرجل ليكمل تقييد الجزائر وتونس بما ينقصهما منقيود مَكْره.
3 -أنبه ملك في الدولة المرينية، بلغت فتوحاته إلى حدود ليبيا،وانتظم المغارب الثلاثة، وفي غزاته لتونس بنفسه كان المؤرخ ابن خلدون قد ختم بهاحياته العلمية وكان بدء اتصاله بالملوك والدول.
4 -شيخ دجال ظهر على رأس المائةالسادسة للهجرة وادعى أنه صحابي وأنه يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، وأنه حضر زفاف فاطمة الزهراء، وقد روى عنه جماعة من المحدثين المصغين له، وأنكرأمره ودعواه جمهور أعلام المحدثين كالحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، وأثبت الذهبيأنه دجال كذاب.
5 -كلمة فرنسية معناها الشريط.
6 -شطر من بيت للمتنبي تمامه: إن الثناء على التنبال تنبال.
ـ [أبو سهل الحزين] ــــــــ [18 - Sep-2010, مساء 04:08] ـ
فيا ليت شيخيَّ يكمَّلان ما بدءا، ويتممان ما أسَّسا!