فهرس الكتاب

الصفحة 3611 من 20085

وأحد أسباب الخلط في هذه المسائل أيضا الجهل بمراتب الأدلة وقوتها؛ فإن بعض الأدلة أقوى من بعض، ولا تزال تزداد قوة حتى تصل إلى درجة اليقين، وبعضها يكون بغلبة الظن، ثم قد يضعف هذا الظن حتى ينتهي إلى الشك المستوي الطرفين.

وليس العالم هو من يعرف أن هذا دليل وهذا ليس بدليل فقط، وإنما العالم من يعرف أي الدليلين أقوى وأيهما أضعف.

وهناك فرق بين مقام تقرير الحق، ومقام مناقشة المبطل المجادل المنازع؛ فقد يكتفى في المقام الأول بالإشارة التي تغني عن كثير من العبارة.

وأما المقام الثاني فقد يخرج المناقش في الحوار إلى أقوال لا يلتزمها، ولكن المراد منها إفحام المخالف، فمثلا من يقول: إجماع الصحابة فقط هو الحجة دون غيره، نقول له: إن قيل لك: ليس هو بحجة كما كان غيره ليس بحجة، لم يكن عندك جواب.

فإن قال: الصحابة يمكن اجتماعهم وحصرهم، قيل له: حتى الآن لا يعرف كتاب حصر جميع الصحابة، وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم مائة ألف! والذين نقلت عنهم الفتوى من الصحابة نحو المائة، وكثير منهم إنما نقل عنه وقائع يسيرة جدا، وأما المشهورون بالفتوى من الصحابة فنحو العشرة فقط! ثم إن الصحابة ليسوا كلهم من المجتهدين بلا نزاع، وبعضهم قد اختلف في كونه من المجتهدين! فكيف يقال: إن هذا الحصر ممكن؟!

فإن قيل: إن الله أمر باتباع سبيل المؤمنين، والصحابة في عصرهم كانوا هم جميع المؤمنين، بخلاف العصور التي بعدهم.

قيل له: متى كان الصحابة جميع المؤمنين؟ إن كنت تقصد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالأكثرون على أنه لا إجماع في حياته أصلا، وإن كنت تقصد بعد وفاته، فليسوا هم جميع المؤمنين بلا نزاع.

فالخلاصة أن القول بأن الإجماع الصحيح هو إجماع الصحابة فقط إن كان معناه أنه لا عبرة بالخلاف بعدهم، فهذا صواب، وإن كان معناه أنه لا يمكن حصول الإجماع بعدهم في المسائل التي لم يتكلموا فيها أو في المسائل التي اختلفوا فيها، فهذا قول باطل واضح البطلان.

وأما ما يزعمه بعض الناس من أن من شرط الإجماع أن ينقل عن كل مجتهد مجتهد بعينه النص الصريح في المسألة، فهذا كلام واضح البطلان أيضا، ولا يقوله إلا من لا يفقه ما يقول أصلا.

وأنا أتحدى من يزعم هذا الكلام أن يتصفح كتب أهل العلم جميعا، ويأتيني بقول لبعض أهل العلم: (أجمع العلماء على كذا) ، ويكون هذا الشرط منطبقا على قوله. لا أريد تنظيرا، وإنما أريد مثالا.

ومن الإشكالات أيضا في هذا الباب: الخلط بين المعلوم من الدين بالضرورة، وبين الإجماع.

فإن المعلوم من الدين بالضرورة هو من قطعيات الشرع، فإن وجد المخالف فيه فلا عبرة بخلافه، ولا نحتاج أصلا إلى النظر والبحث في أقوال المجتهدين لنعلم أتفقوا أم اختلفوا، وبسبب هذا الإشكال وقع بعض العلماء في إشكال آخر، فزعم أن الإجماع الصحيح لا بد أن يكفر منكره! فإن لم يكفر منكره فليس بإجماع!

وهذا الكلام إنما هو في المعلوم من الدين بالضرورة، وليس في الإجماع، فهذا خلط واضح بينهما.

ومن الإشكالات في هذا الباب أيضا أن بعض العلماء يطعن في ثبوت الإجماع أحيانا بقوله: خالف فلان وفلان، فكيف يثبت الإجماع؟

وهذا الطعن صحيح لو كان ناقل الإجماع ينقله عن أهل عصر هذا المخالف، كأن ينقل مثلا إجماع الصحابة ويكون المخالف من الصحابة، أو ينقل الإجماع عن التابعين ويكون المخالف من التابعين.

أما إن كان الإجماع المنقول مثلا عن أهل القرن الخامس الهجري، فلا يصح أن تعترض على هذا الإجماع بذكر مخالف من القرن العاشر مثلا، أو بذكر مخالف من القرن الثاني؛ لأنه لا يشترط في الإجماع أن يكون الاتفاق في كل العصور، وإلا لم يحدث إجماع أصلا.

وبعض أهل الأصول يذكرون أنه لا بد من اتفاق جميع المجتهدين في المسألة حتى يحصل الإجماع الصحيح، وإذا خالف واحد أو اثنان فإن ذلك يقدح في الإجماع، وبعض العلماء يقول: لا، هذا لا يقدح في الإجماع.

وهذا الكلام ينبغي فهمه جيدا حتى نخرج من هذا الخلاف؛ فإن تفرد بعض العلماء بقول له حالان:

الأول: أن يكون قوله هذا معدودا في الشاذ المستنكر، فحينئذ لا يعتد بخلافه في ثبوت الإجماع.

الثاني: أن يكون قوله هذا معروفا مقبولا عند العلماء، وإن لم يوافقوه عليه.

مثال الأول: قول بعض الصحابة بأن الماء لا يجزئ في الاستنجاء، فهذا القول ثابت عن بعض الصحابة، ولكنه لا يقدح في الإجماع على جواز الاستنجاء بالماء؛ لأن هذا القول واضح أنه خطأ وشذوذ من قائله، ولذلك استقر القول على خلافه بعد ذلك.

مثال الثاني تفرد بعض الأئمة الأربعة بقول دون الآخرين، فلم يقل أحد إن تفرد الشافعي مثلا عن الأئمة الثلاثة لا يعتد به في الإجماع؛ لأن قوله اشتهر عندهم وعند أتباعهم، وخالفوه ولكنهم قبلوه في الخلاف ولم ينكروا عليه هذا الخلاف، فصار هذا كأنهم صرحوا بأنه لا إجماع في المسألة.

والحديث في تحرير مسائل الإجماع يطول، وخاصة في بيان الإشكالات والخطأ الحاصل في فهمها.

ولي عودة إن شاء الله لإكمال الكلام، ولكن لا أنسى أن أشير إلى كلام نفيس لابن الحصار مطبوع مع مقدمته في الأصول، ذكر فيه كثيرا من الشبهات الواردة على الإجماع وفندها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت