فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و الجواب: أن تلك الأحاديث هي من قبيل وقائع الأعيان و الأحوال التي لا تفيد العموم، وترك الإستفصال فيها لظهور الحال. فأنت إذا رأيت شخصًا يمشي المطيطاء و يلتفت إلى عطفيه شامخًا بأنفه، فلا تحتاج إلى أن تسأله إن كان يتخايل أم لا؟؟؟
و من أقوى الدلائل على أن تلك الوقائع لا تفيد العموم؛ حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند الإمام أحمد (6340) بسند رجاله رجال الصحيح، يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه وعليه إزار يتقعقع، يعني جديدًا، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله. فقال: إن كنت عبد الله فارفع إزارك. قال: فرفعته، قال: زد؟ قال: فرفعته حتى بلغ نصف الساق. قال: ثم التفت إلى أبي بكر فقال: من جرّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقال أبو بكر: إنه يسترخي إزاري أحيانًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لست منهم.""
فهذا الحديث نص صريح في إناطة الحكم بعلة المخيلة، فإن قيل: لِم أمر ابن عمر بالتشمير و لم يستفصل؟ فالجواب: أن حال ابن عمر كانت تغني عن الإستفصال؛ شاب حدث، عليه لباس جديد، يتقعقع أي يحدث صوتًا عند تحريكه، قد أسبله، فما ظنك به و هو في مجتمع قد تواطأ على اعتبار مثل تلك المظاهر؟ .. و لذلك بالغ النبي صلى الله عليه و سلم في أمره بالتشمير، و كان يكفيه أن يأمره برفعه إلى الكعبين. و الظاهر أن ابن عمر رضي الله عنهما قد كان في نفسه بعض تلك المعاني، لأنه لم يعتذر بشيء بعد سماعه رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"من جر ثوبه من الخيلاء"كما اعتذر الصديق رضي الله عنه.
و على هذا الوجه يُنزَل حديث عمر رضي الله عنه مع الشاب الذي قال له:"(يا غلام ارفع إزارك فإنه أتقى لربك و أنقى لثوبك"
و منه كذلك، ما وقع لسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال جرير بن يزيد: كنت جالسًا إلى سالم بن عبد الله على باب داره، فمر به شاب من قريش يسحب إزاره، فصاح به سالم وقال: ارفع إزارك؟ وجعل الشاب يعتذر من استرخاء إزاره، ثم أقبل عليّ سالم فقال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"بينما رجل يمشي في حلة له معجب به نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة". رواه أحمد (9053) و أبو عوانة (8559) و النسائي (9679) .
و كذلك كان فهم السلف؛ إنما ينكرون على من ظنوا به العجب و المخيلة بسبب مظهره، ولم يكن إنكارهم على إطلاقه كما يفهم البعض. اهـ
قد ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فعل ذلك للسبب ذاته.
فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (24816) بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه"أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال: إني رجل حمش الساقين". لكن قال الحافظ في الفتح (10/ 264) : (هو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين! والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة.) اهـ
قلت حمله على المستحب دعوى تحتاج دليلا اولا و ثانيا لو كان كذلك لما انكره عليه الناس و ثالثا الاسبال هنا لفظ عام لا يجوز اخراجه عن ظاهره الا بقرينة فمن اين للحافظ انه محمول على الزيادة فوق المستحب فهل الزيادة فوق المستحب تسمى اسبالا!!!!
قال عبد الوهاب مهية الإسبال عند الإطلاق يراد به الإرخاء إلى ما دون الكعبين، و الأصل إبقاء الخبر على ظاهره، هذا من جهة. و من جهة أخرى، فإنه حتى لو لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة، فهل يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه و سلم واحدًا من عامة الناس و لا يأمر صاحب وسادته و نعله، و من هو معه صباح مساء، يلازمه و يخدمه حتى أن الغريب ليحسب أنه من أهل البيت؟ اهـ.
روى أبو داود (4096) و ابن أبي شيبة (24831) و البيهقي في الشعب (6147) عن عكرمة قال: رأيت ابن عباس إذا اتزر أرخى مقدم إزاره حتى يقع حاشيته على ظهر قدميه، ويرفع الإزار مما وراءه، فقلت:لم تأتزر هكذا؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزر هذه الإزرة"وصححه الألباني رحمه الله في الصحيحة (1238) ."
(يُتْبَعُ)