فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أرجو أن يتسع صدرك كما اتسعت صدورنا لما قلته عن الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله و سائر علماء المسلمين ..
أخي .. أراك تعسفت في فهم كلام الإمام ..
فهو أول يعرف أن معنى القدوس في اللغة الطاهر و المبارك أي الطاهر من كل نقص و المنزه عن كل عيب .. و قد ذكر ذلك في موضعه من تفسيره الكبير .. و لا محل لقولك أخي الكريم أن لا أحد من أهل اللغة و لا النبي صلى الله عليه و سلم و لا السلف قالوا أن القدوس معناه المنزه عن صفات الحوادث أو المحدثات .. لأن المعنى اللغوي المعروف للقدوس يستلزم أن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث .. إذ انه إذا كان الله تعالى منزه عن النائقص و العيوب (أي قدوس) ، فهو منزه عن صفات المخلوقات الحوادث لأنها هي محل النقائص و الموصوفة بالعيوب ..
أما فهمك أخي لقوله رحمه الله (كل صفات الحوادث) على أنه يريد كل ما تتصف به المخلوقات من الصفات حتى تلك التي تشترك فيها مع الله تعالى في أصل معناها ... فهو فهم سقيم أخي ..
لأن عادة العلماء رحمهم الله (و خاصة الأشاعرة) أن يقولوا: (صفات الحوادث) بالعموم و الكلية، و مرادهم الصفات التي تخص الحوادث و المخلوقات فقط .. إذ أنهم مصرحون دوما بأن من الصفات ما هو مشترك في أصل معناه بين المخلوقات و خالقها كالتي ذكرتها أخي كالوجود و العلم و القدرة و نحوها .. و مصرحون أيضا أن الصفات التي تستلزم نقصا و عيبا فتختص بالحوادث دون محدثها و خالقها سبحانه .. فمرادهم بصفات الحوادث الصفات التي هي للحوادث بما هي كذلك أي التي تتصف بها المخلوقات بسبب كونها مخلوقة حادثة .. كالتي أخبرك أخونا أبو محمد وفقه الله تعالى .. كالنوم و التعب و الولادة و الزواج و الأكل و الشرب و نحوها من الصفات التي لم توجد في الحوادث إلا لكونها حادثة مخلوقة ..
فقوله رحمه الله (صفات الحوادث) هو من باب العموم المراد به الخصوص .. بارك الله بك ..
و قولك فوجود صفة (الاستواء) في البشر ليس دليلا على انتفاء هذه الصفة عن الله عز وجل، وهذا أمر متفق عليه بين جميع الطوائف، وإنما نفى هذه الصفة من نفاها لأمر آخر، لا لمجرد الاشتراك بين الخالق والمخلوق في أصل الوصف، سواء كان مع الاتفاق في المعنى العام مثل الوجود والقدرة، أو مع الاتفاق في مجرد اللفظ.
الشيخ أولا لا ينفي الإستواء .. و كيف ينفيه و قد أثبته الله تعالى؟؟ .. و إنما ينفي - كما صرح بحروفه التي نقلتها عنه- التمكن في مكان مستقرا فيه .. و هو لا ينفيه لمجرد أن الحوادث اتصفت به و إنما لأنه يراه من الصفات الخاصة بالحوادث التي لا يشترك فيها الخالق و المخلوق .. كالأكل و الشرب و التعب و النوم و نحوها مما يطلق عليها (صفات الحوادث) ..
فهو ينفي الاستقرارو الجلوس في حيز محدود هو العرش - عن الله تعالى .. لأنه قدوس أي منزه عن العيب و المطهر عن النقص ..
أي المنزه عن الصفات الخاصة بالحوادث و التي لا تكون إلا للمخلوقات .. و منها الاستقرار و القعود في مكان محدود كالعرش أو غيره من مخلوقات الله تعالى ...
فأين التناقض في كلامه هذا يا أخي وفقك الله تعالى؟؟
أما قولك فإن كان يقصد الصفات التي تنفرد بها المحدثات، فلا نسلم أن ذلك متحقق في صفة الاستواء، فهو إذن مصادرة على المطلوب، فعلى أي وجه قلبت الكلام كان باطلا.
كيف يكون ذلك مصادرة على المطلوب؟؟ .. و المصادرة هي أن يكون الدليل أو جزءه هو عين النتيجة المطلوبة ..
الشيخ يقول: الله منزه عن الاستقرار و التمكن .. (هذا هو المطلوب) ..
و دليله .. أن الاستقرار و التمكن صفتان تنفرد بها المحدثات
و كل ما ينفرد به المحدثات فالله تعالى منزه عنه ..
إذن .. الله تعالى منزه عن الاستقرارو التمكن ...
فأين المصادرة على المطلوب؟؟؟ و أين الكلام الباطل؟؟ .. أنت لا تسلّم له إحدى مقدمتي دليله .. و هذا من حقك ..
و هو لا يسلم لك اعتراضك عليه طبعا .. فهل عدم تسليمك بإحدى المقدمتين يجعل استدلاله مصادرة على المطلوب!!
و قد قال لك الأخ الفاضل أبو محمد وفقه الله و إياي: لايحتمل ان ابن عاشور بقوله هذا يقصد به صفات النقص عند المخلوقين كالنوم والاكل والشرب وغيرها
و هو حق .. فقلت أخي مجيبا: ثم إنه قد ذكر (التمكن والاستقرار) وهما ليسا من صفات النقص عند المخلوقين.
أقول .. أجل أخي فالتمكن و التحيز في جهة و إشغال مكان محدود و الجلوس عليه ليس ذلك (( عند ) )المخلوقين و ما يتعارفونه بينهم نقصا و لا عيبا (و ليس ذلك على إطلاقه إذ التمكن و الجلوس في غير المكان المخصص عيب و نقص عندهم) ..
و لكن كلام الإمام ابن عاشور رحمه الله تعالى ليس في العيوب التي هي عند البشر كذلك أو ليست كذلك .. فهذا يختلف باختلاف
الأمم و الشعوب فرب أمر نعتبره عيبا و نقصا هو عند غيرنا عين الكمال و الحسن و الأدب ..
و إنما كلامه في الصفات التي هي هي نقص (( في ) )المخلوقين و عيب في الحوادث .. فالزواج و القوة الجسمية و كبر العضلات كمالات للذكور من بني آدم من المخلوقين و أضدادها نقائص .. و لكنها ليست كمالات لله تعالى بل هي نقائص و عيوب ..
و الاستقرار و الجلوس في مكان محدود صفة من صفات الحوادث أي صفة خاصة بالمخلوقات عند الأشاعرة من الأئمة ..
لأنها صفة تدل على حدوث الشيء الذي هي فيه .. و الله تعالى منزه عن الحدوث (هو الأول) و عن كل ما يستلزم الحدوث و لا ينفك عنه .. و الصفات الخاصة بالمخلوقات صفات تستلزم الحدوث .. و لولا ذلك لما كانت الحوادث حادثة مخلوقة بل لكانت قديمة غير مخلوقة ..
المهم أن ما أردت قوله يا أخي الكريم ان الإمام رحمه الله تعالى لم يتناقض و لا يصح قولك فيه هداني الله و إياك:
المبتدعة على أعينهم غشاوات ثقيلة تمنعهم من الاسترواح للحق ولو كان واضحا جليا، كهذا المثال المذكور هنا، وهذا هو ما ذكره ابن عاشور ثم وقع فيه بعينه في الموضع نفسه!
وفقك الله تعالى .. و الله تعالى أعلم و أحكم و الحمد لله رب العالمين ..
(يُتْبَعُ)