فهرس الكتاب

الصفحة 3953 من 20085

صادف إذ ذاك قاضي الخَرْج -الخرج إذا أُطلق في ذلك الوقت المراد به الدِّلَم وما حولها، الذي يرأسه الشيخ عبدالعزيز بن باز، والخرج الآن الموجود يسمونه السَّيْح، لأنه عيون تسيح، وليس قرية، وإنما نخيل، وللملك فيه قصر، ويذهب له الملك بعض الأحيان- فصادف أن أُقيل الشيخ سالم الحناكي رحمه الله من الخرج، فلم أشعر إلا قد بعث لي إبراهيم الشايقي رحمه الله وكان هو من كبار رجال الديوان، وهو المعني بالمشايخ وشؤونهم مع الملك، فأرسل لي الشايقي، وقال: بكرة الساعة الثانية غروبي -بعد طلوع الشمس الضحى- تحضر هنا. فحضرت، فلما دخلت عليه في مجلسه، سلمت عليه، أجلسني وقام بأمر الملك، فسريعًا جاء واحد من الخدام، وقال لي: ابن عقيل؟ ومسك يدي، وأدخلني على الملك، ما في المجلس أحد إلا أربعة أو خمسة بعيدون عن الملك، باعدهم، فسلمت عليه، ففحصني بعينه، ناظرني، وقال: الأمر خير إن شاء الله، نبغيك تصير قاضي عند قصري في السيح بالخرج، فقلت: السهباء؟ فلفت نظره، وقال: لا ... لا .. لا، السهباء بعيدة عندكم، السيح جنب قصري، جنب قصري.

فقلت له: يا طويل العمر أنا ما بعد بلغت مبلغ القضاء، خلوني أقرأ عند الشيخ محمد بن إبراهيم أدرس، وإذا بلغت المبلغ أنا بالسمع والطاعة. فالتفت إليّ ثانية، وقال: محمد بن إبراهيم؟! هذا تراه أخوي وولدي، شاوره ولا تخرج عن رأيه. قال: الشيخ محمد بن إبراهيم أخ لي وابن لي، وشاوره ولا تخرج عن رأيه، تعال يا إبراهيم الشايقي امش مع الأخ، وخلصوه.

فذهبت مع إبراهيم الشايقي وقلت له: ما أستطيع القضاء، أنا أبغي أدرس مع محمد بن إبراهيم! فضحك الشايقي، وقال: الذي دبّر هذا الأمر هو محمد بن إبراهيم، هو الذي عيّنك!

والعجيب أني كنت أمس عند الشيخ، وقبل أمس، وكل يوم أجلس عنده، وما قال لي شيء، ولا أشار لي بشيء، فخرجت من عند الشايقي، وذهبت للشيخ محمد بن إبراهيم، وأخبرته الخبر، فجعل يستطعم مني الكلام: أيش قال لك الملك؟ أن الشيخ محمد بن إبراهيم ولدٌ لي وأخ لي فشاوره ولا تخرج عن رأيه. فقال الشيخ محمد بن إبراهيم: استعن بالله، ما دام أمر الملك عليك استعن بالله وامتثل. فقلت: لا أستطيع أعمل بالقضاء، ولا أستطيع إلا إذا كان أنت تكون مرجعي وأشاورك فيما يُشكل عليّ وما أحتاج إليه من أسئلة، وإلا فأنا ما أستطيع. قال: فيك بركة، فيك بركة، وأنا مستعد لك. أو كلام هذا معناه.

فسافرت إلى الخرج، وبقيت فيه ما شاء الله، أشهر ليست طويلة، أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر، ثم استأذنت بإجازة لأذهب إلى محل عملي الأول في أبي عريش، لي فيه أثاث، وعفش، وعائلة، فأذن لي ولي العهد، وأعطاني سيارة، رحت فيها إلى أبو عريش، وخلصت أشغالي، وجئت.

ولما رجعت بلّغني الشايقي، وقال: إنك معيّن الآن في نجران. فذهبت للشيخ محمد بن إبراهيم، وبلّغته بالخبر، فقال: هذا ليس بأمري، قال بلهجته: ما بذا من عندي، أو: ما فهمت. يقول لي. قال: ما يطلع من عندي. أو: ما فهمت. قلت: بلى فهمت. فذهبت للشايقي واعتذرت، فصمم، فصممت أني ما أروح لنجران.

كتب الشيخ على إثر ذلك كتابا -لم أشعر به إلا بعد وفاة الشيخ رحمه الله- إلى ولي العهد، والكتابة عندي، صورتها موجودة الآن، يقول: إلى ولي العهد، بعد السلام، من جهة عبدالله بن عقيل قاضي السيح سابقًا: بلّغتوني بأنه يكون قاضيا في نجران، وهذا لا بأس به، لكن المذكور فيه خير، ويؤمل أن يكون في أنفع من نجران، ونجران يكفيه ناصر بن جعوان قاضي الظهران سابقا، ما بينه وبين نجران إلا ثلاثة أيام، أو عبدالله بن عبدان الموجود الآن في بريدة بدون وظيفة، والسلام عليكم. وعليه ختم. والظاهر أنه بخط ابنه إبراهيم وزير العدل.

فلم أشعر بعد أيام: خمسة أو ستة أو عشرة إلا وقد بلّغني الشايقي مرة ثانية بأنه صدر الأمر بتعييني قاضيا في الرياض.

عام كم هذا يا شيخ عبدالله؟

عام 66 في شوال.

وكنت تلك المدة في الرياض؟

كنت تلك المدة في الرياض، نعم.

كنت تحضر مجالس الشيخ محمد؟

أحضر مجالس الشيخ، وعنده، فتعينت في الرياض، ما هو معنا بالرياض غير الشيخ إبراهيم بن سليمان قاض في الحاضرة، والشيخ سعود بن رشود قاض في البادية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت