نصّ الفتوى:
بسم الله الرحمن الرحيم
ما يقول سيِّدُنا الشيخُ الإمامُ الفقيهُ العالمُ الزاهدُ الورِعُ ـ وفَّقه اللهُ لطاعته، وجمع له خيرَ الدارين برحمته، وكان به حفيًّا، وعنه راضيًا مرضيًّا ـ في رجلين فقيهين عالمين على مذهبٍ واحدٍ ومقالتُهم واحدة، وقد اختلفا في أئمَّة المسلمين وهم: الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبي حنيفة رضي الله عنهما (4) ، فقال أحدُهما: الأئمّةُ في الجنّة إن شاء الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكمُ ما يريد، وقال الآخر: هما في الجنّة قطعًا ومن لا يقول هذا ويعتقدُه فقد كفر، ويقول: قد أمِنَّا عليهم لأنّ كلّ من مات قد أُمن عليه أن يُمكر به، ويقول: قد أمِنَّا عليه المكر، وقال الأول: إنّما قولي: إن شاء الله أنفي عنّي علمَ الغيب وأُسلِّمُ الأمرَ إلى الله تعالى، ومن لا يقول هذا ويعتقدُه فقد كفر، أفتِنا لما يكون فيه المصلحة والهداية يرحمك الله.
الجواب، والله الموفِّق
أسألُ اللهَ أن يُوفِّقَنا وإِيّاكم لما يُحبُّ ويرضى من القول والعمل والنيّة، وأن يُلهمنا رُشدَنا، ويرزقنا العملَ بكتاب ربّنا تبارك وتعالى واتّباعَ سنّة نبيِّنا صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليمًا.
اعلموا ـ رحمنا الله وإيّاكم ـ أنّ الواجبَ على كلّ مسلم العملُ بما في كتاب الله عزّ وجلّ والانقيادُ له إذا نزلت به حادثةٌ، فإن وجد حكمَ تلك الحادثة في كتاب الله تعالى فهو المفروضُ عليه واللازمُ له، وإن لم يجد فيه فلْيطلبْ حكمَها في سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن وجد حكمَها فالواجبُ عليه امتثالُ أمره واتّباعُ حكمه، فإن لم يجد نظر في إجماع الأمّة، فإن كان ما حدث له ممّا اجتمعت الأمّةُ عليه فلا يسوغ له إلاّ اتّباعُ ما أجمعوا عليه وانتهوا إليه.
فلْينظر القائلُ بأنّ الأئمّةَ المذكورين ـ رضوانُ الله عليهم ورحمتُه ـ في الجنّة قطعًا في كتاب الله، فإن كان ذلك فيه فلْيقل به، فإن لم يكن فيه وكان في سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلا حرج عليه في القول به، وإن كان ممّا أجمعت عليه الأمّةُ فلْيسلكْ سبيلَهم ويتّبعْ في ذلك منهجَهم، وإلاّ فلْيتّق اللهَ ربَّه ويُراجعْ نفسَه أن يقولَ على الله سبحانه ويحكمَ عليه بما لم يأتِه منه دليلٌ واضحٌ ولا برهانٌ لائحٌ.
وقد قال عزّ وجلّ:) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ (5) (، وقد قال عزّ وجلّ:) إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ [وأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] وأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (6) (. وقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ـ فيما روى عنه العرباضُ بنُ سارية السلمي رضي الله عنه ـ: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومُحدثات الأمور؛ فإنّ كلَّ بدعة ضلالةٌ» (7) ، وهذا مختصرٌ من حديثه، وقد أوردوا في لفظه زيادةً حسنةً عزيزةً، فقال عليه أفضلُ الصلاة والسلام: «تركتُكم على البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغُ عنها بعدي إلاّ هالكٌ» (8) .
وقد ورد عنه صلّى الله عليه وسلّم من روايةٍ أخرى معنى ما تقدّم من رواية جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه أنّه قال عليه السلام: «وكلُّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلّ ضلالةٍ في النار» (9) .
والقول بأنّ الأئمّة في الجنّة قطعًا قولٌ مُحدَثٌ مُخترَعٌ ليس له في كتاب الله أصلٌ ولا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكرٌ، وقد ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «ستفترقُ أمّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً كلّها في النار إلاّ واحدةٌ» (10) ، وقد نُقِل في بعض الروايات أنّه سُئل عن الناجية فقال: «ما أنا عليه وأصحابي» ، وفي لفظ قال: «وهي الجماعةُ، والجماعةُ كتابُ الله وسنّةُ رسوله» ، وقد قال الله عزّ وجلّ:) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (11) (.
(يُتْبَعُ)