فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثانيًا: قلت إن مذهب أبي حنيفة يرى المنع مطلقًا ولم تذكر نصوصًا لكلامهم في هذا المعنى، مع أنني في الرسالة ذكرتُ مذهب أبي حنيفة في ذلك وذكرتُ نصوصًا من كلامهم تدل على أن مذهب أبي حنيفة القنوت، وإليك مذهبهم المذكور في الرسالة:
قال ابن عابدين في حاشيته (2/ 11) في مطلب القنوت في النازلة، قال: إن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر. ونقل عن الطحاني في القنوت: إن وقعت فتنة بلية فلا بأس به (وراجع إعلاء السنن 6/ 95) . وقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (1/ 252) : إذا نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الفجر، وهو قول الثوري وأحمد، وقال اللكنوي في كتاب التعليق الممجد (1/ 636) : إن قول أبي حنيفة وأصحابه لا قنوت في شيء من الصلوات إلا في الوتر وإلا في نازلة، وقال في البحر الرائق للحنفية (2/ 48) : وإن نزل في المسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة الجهر، وذكر التهانوي في إعلاء السنن (6/ 84، 95) أن عين مذهب الحنفية والجمهور هو القنوت في النوازل مؤقتًا.
والذي يظهر- والله أعلم- أنك أخذت كلام بعض الأحناف ممن قال بالنسخ وظننتَ أن هذا هو مذهبهم، وإنما هو قولٌ فيه، وقد ذكرتُ ذلك في الرسالة، وإليك ما ذكرتُ: وبعض الحنفية يرى أن القنوت للنوازل منسوخ كالطحاوي في شرح معاني الآثار وينقله عن بعض أئمة الحنفية (1/ 254) ، مع أن كلام الطحاوي هذا ناقشه التهانوي في إعلاء السنن (6/ 96) وبيَّن أن اختيار المذهب هو القنوت.
ثالثًا: أما قولك إن المنع مطلقًا قول مذهب الإمام مالك، فهذا لا مستمسك فيه، فيُقال: لماذا عدلت عن أصل مذهب مالك في القول بالقنوت إلى هذا القول إن صح، وقد ذكرتُ لك في الرسالة مذهب مالك في ذلك، وما ذكرته ما يلي:
ذكر ابن عبد البر في الاستذكار (6/ 201) في باب القنوت في الصبح مذهب مالك وأنه يرى القنوت، وقال ابن رشد في بداية المجتهد في فصل أقوال الصلاة في المسألة التاسعة، قال: ومذهب مالك أن القنوت في صلاة الصبح مستحب (1/ 131) ، وذكر الزرقاني في شرح الموطأ في باب القنوت في الصبح أن معتقد مالك: القنوت في الصبح (1/ 223) .
وجاء في المدونة الكبرى (1/ 103) ذِكر مذهب مالك في القنوت في الصبح بالدعاء على الكفار والاستعانة بالله عليهم، بل إن مالكًا يرى دوام قنوت النوازل في الفجر كما قال ابن العربي في شرح الموطأ في كتابه القبس (1/ 348) في ذكر رأي مالك في قنوت النوازل، قال ابن العربي: ورأي أحمد بن حنبل أن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لسببٍ فيما كان ينزل بالمسلمين، والأحكام إن كانت معلقة بالأسباب زالت بزوالها، ورأي مالك والشافعي أن ذلك من طلب العدو، ومقارعته معنى دائم فدام القنوت بدوامه. اهـ
وقال ابن تيمية في الفتاوى (23/ 106) : قول مالك: القنوت في النوازل مشروع دائمًا والمداومة سنة، وأن ذلك يكون في الفجر قبل الركوع بعد القراءة سرًا، وهذا يدل على أن المالكية يرون قنوتًا دائمًا.
رابعًا: على قولك بالنسخ يُقال: هذا يحتاج إلى إثبات خاص، فهل هناك دليل صريح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «لا تقنتوا؟» ، أو أنهم قنتوا فنهاهم، أو قال: «كنت قد قنتُّ فلا تقنتوا بعدي» ، أو نحو ذلك، فالنفي كالإثبات يحتاج إلى دليل؛ لأن النفي قضية سلبية تحتاج إلى برهان كالقضية الموجبة، وكون المستدِل يدعي النسخ لا يلزم من صحة وقوع النسخ حقيقة، إذ قد يكون ثابتًا بدليل لم يعلمه المستدل، وهذا هو الواقع، فإن الصحابة قنتوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أعلم منا بمواقع النسخ.
خامسًا: قلتَ في رسالتك: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقنت في غزوة مؤتة ولا يوم حنين ولا في الأحزاب.
والجواب على ذلك أن يقال: أما غزوة مؤتة فقد حصل فيها نصر مبين، فما وجه القنوت؟ وأما حنين فقد حصل للصحابة ما حصل في ضُحى ذلك اليوم ثم نصرهم الله، فما يُطلَب منهم في وقت ما حصل لهم ما حصل .. أن يتركوا القتال ويقنتوا ضُحى؟ ثم نصرهم الله بعد ذلك. وأما الأحزاب فلا يدل عدم القنوت فيها على النسخ، فقد قنت النبي عليه الصلاة والسلام بعد الأحزاب ودعا للمستضعفين كما ذكرنا ذلك سابقًا.
(يُتْبَعُ)