فهرس الكتاب

الصفحة 4471 من 20085

ب- وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقنت في الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، رواه الطبراني في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (1/ 345) رقم (576) فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار، وقال: لأُقرِّبن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متفق عليه. وفي رواية عند الطحاوي في شرح الآثار (1/ 241) : (لأرينكم) ، فصلى بهم وقنت حتى يعلّمهم أن القنوت مشروع لم يُنسخ، ولذا قال: لأرينكم، علمًا بأن أبا هريرة رضي الله عنه ممن روى أحاديث القنوت للنازلة، فهذا فهمهم رضي الله عنهم، بل فعله هو بنفسه تدريبًا لأصحابه عليه، قال ابن القيم في زاد المعاد: ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك- أي القنوت- ثم تركه، فأحبَّ أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سُنة. اهـ

ج- صح عن البراء بن عازب أنه كان يقنت، رواه ابن أبي شيبة (2/ 106) رقم (7016) وصفحة (108) رقم (7034) ، وعبد الرزاق في مصنفه (3/ 109) ، وابن المنذر في الأوسط (5/ 209) ، والبيهقي في سننه (2/ 206) ، مع أن البراء ممن روى أحاديث قنوت النازلة.

د- صح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الغداة في إمارته عن البصرة فقنت، رواه ابن أبي شيبة (2/ 105) رقم (7003) ، وعبد الرزاق في مصنفه (3/ 113) ، وابن المنذر في الأوسط (5/ 209) ، علمًا بأن ابن عباس في البصرة كان أميرًا لعلي بن أبي طالب، فلما قنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما حارب أهل الشام قنت ابن عباس تبعًا له، ذكر ذلك الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 252) في باب القنوت، وذكره التهانوي في إعلاء السنن (6/باب القنوت) ، وقال الكاندهلوي في كتابه أوجز المسالك (3/ 175) نقلًا عن الدارقطني عن سعيد بن جبير، قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة إلا إذا نزل بالمسلمين نازلة، فانظر إلى كلام ابن عباس هذا وما فيه من ذكر عدم نسخ القنوت للنوازل، بل لا يبعد أن يكون هذا الكلام له حكم الرفع.

هـ- جاء عن معاوية رضي الله عنه أنه قنت في صِفين وما بعدها، يقنت هو ومن معه، ذكر قنوته الطحاوي في معاني الآثار، وكذا الطبري في تاريخه (3/ 113) ، قال البيهقي في كتابه معرفة السنن في فصل القنوت: وقنت معاوية في الشام يدعو في صِفّين، فأخذ أهل الشام عنه ذلك.

و- وروى الطحاوي في شرح معاني الآثار عن أبي موسى الأشعري أنه قنت، وذكره عنه ابن القيم في زاد المعاد، ورواه ابن أبي شيبة (2/ 105) رقم (7001) بسنده عن عبد الله بن معقل قال: قنت في الفجر رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي وأبو موسى.

فهؤلاء ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم ممن روى أحاديث قنوت النازلة وفعلها كأبي هريرة وأنس، وكلهم يرون القنوت وأنه لم يُنسَخ، إذ لو كان منسوخًا لم يفعلوه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأين المخالف لهم من الصحابة ممن منع قنوت النوازل أو رأى أنه منسوخ؟!

الإجماع:

مما يدل على مشروعية القنوت والذي تركتَ الاحتجاج به: الإجماع، ومن قول اللكنوي في كتاب التعليق الممجد (1/ 636) : ولا نزاع بين الأمة في مشروعية القنوت ولا في مشروعيته للنازلة، إنما النزاع في بقاء مشروعيته لغير النازلة، ونقل ابن عبد البر في الاستذكار (6/ 202) عن يحيى بن سعيد أن القنوت إن دخلت جيوش المسلمين هو فعل الأئمة.

وممن نقل الإجماع الكاندهلوي في أوجز المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 177) قال النيموي: تدل الأخبار على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يقنتوا في الفجر إلا في النوازل، وذكره ابن أبي شيبة برقم (7006) بسنده عن ابن أبي ليلى قال: القنوت سُنة ماضية، وقال ابن تيمية في الفتاوى (23/ 108) إن القنوت مسنون عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين.

وقال التهانوي في إعلاء السنن (6/ 96) : وأما دعوى نسخ القنوت في الفجر مطلقًا فتردها آثار الصحابة وقنوتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أحيانًا، ونقل عن صاحب كتاب الحجة البالغة: وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه إذا نابهم أمرٌ دعوا للمسلمين وعلى الكافرين بعد الركوع أو قبله. اهـ

سابعًا: قلت في آخر الرسالة بعد ما ذكرتَ أن الصحابة لم يقنتوا، قلتَ: والصحابة أعلم منا بالشريعة، وقد باشروا الأمر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الوقائع .. والجواب عليه أن يقال: لو أنك قرأت رسالة القنوت قراءة فاحصة لما قلتَ هذا الكلام، فإني ذكرت في الرسالة أن الصحابة قنتوا بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين قنتوا، وهم أعلم منا بالشريعة، وقد باشروا الأمر بعد حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا بمشروعية القنوت وفق فهمهم وعملهم رضي الله عنهم، حيث إنهم أعلم منا بالشريعة، ولذا رأوا مشروعية القنوت، والواجب الرجوع إلى فهمهم.

ثامنًا: ذكرت في رسالتك فقلت: وكان بعض الصحابة لما سُئل عن القنوت في الفرائض قال: (أي بُنيّ بدعة) ، وهذا الحديث مقلوب، والصحيح أنه سئل عن الجهر بالبسملة فقال أي بني بدعة.

وأخيرًا: وأما ما ذيلتم به رسالتكم من ذكر الإصرار وطلب الاعتذار لصاحبكم فأنت أولى بالاعتذار، لأنك خالفته مخالفةً تامة؛ فأنت في ادعائك النسخ في طرفي نقيض معه، فهو يرى أن القنوت لم يُنسخ، ولكن قيَّده في صورة واحدة وهي إذن الإمام أو مسجد الإمام، وأنت نقضْت فتواه ومنعت القنوت مطلقًا.

ثم الاعتذار من ماذا؟ هل لأجل ذكري لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ومَن بعدهم في عملهم في القنوت؟ أوَ لأجل أننا رددنا عليه خطأه؟

نرجو من الله أن يحسن القصد والنية فيما نقول ونفعل، والله يحفظكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أملاه أخوكم

حمود بن عقلاء الشعيبي

في 19/ 3/1422هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت