فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 20085

3 -ثمّ ذكر الأخ السائل -وفَّقه الله- حديثَ: «كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يضعُ باطنَ كفِّه اليمنى على ظاهر كفِّه اليُسرى، والرسغ والساعد، ثمَّ يضعهما -أو يشدُّهما- على صدره. . .» .

ثمّ تساءَل -ذاكرًا قصَّةً له مع عاميٍّ-:

(ألا ترى أن الصلاة بهذه الكيفيّة في وضع الذراعَيْن تُشبه وضع ذراعي الكلب؟!) !

و (الأحاديث الصحيحة جاءَت بالمنع عن الصلاة بكيفيّات تشبه الحيوانات)

ذاكرًا أنّ المرفقَيْن في هذه الحالة يتقوَّسان وينحدران بشكل يتبادر إلى الأذهان -فعلًا- أنَّه مشابه لذراعَي الكلب)!

ثم قال: (وقد رأيت هذا في المِرآة، وإني أستغرب من تقوّس المرفقَيْن لهذا الحدّ) !!

والجوابُ:

أنَّ ما تقدّم مِن إشكال -على صورتِه المطروحة! - فيه جانبٌ من الصِّحّة!!

ولكنْ!!

هو إشكالٌ -أصلًا- خطأٌ؛ لأنّه مبنيٌّ على خطأ فهم صورة وضع اليدين في الحديث المذكور!

فالتقوس والانحدار -المشار إليهما- ليسا من السنّة في شيءٍ؛ وإنَّما حَصَلا بسبب الخطأ في تصوُّر الفعل النبويِّ الصحيح لهذا الوضع.

والحقُّ -والحقَّ أقول-: إنَّ فهمَ هذا الحديثِ على وجه الصحّة والدِّقة أخذ منّي -مِن قديمٍ- جهدًا في البحث، وجهدًا في التفكير؛ لإدراك تمام المُراد من صُورةِ فعل النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

نعم؛ لم يرد في ذِهني إشكال المشابهة المذكورة في سؤال الأخ -وفّقه الله- ألبتّةَ- ..

لذا قلتُ -قريبًا-: إنّه إشكالٌ فيه (جانب) من الصحّة! وليس هو -في نفسه- صحيحًا!

.. . حتى وقفت على روايةٍ للحديث في «صحيح ابن خزيمة» (480) بوّب لها الإمام بقولهِ:

«باب وضع بطن الكف اليمنى على كف اليُسرى والرُّسغ والساعد -جميعًا-» .

فكان قولُهُ: (جميعًا) فهمًا دقيقًا للنصِّ، وكان بمثابةِ المِفتاح لحلِّ الإشكال الذي دار في ذهني، وهو نفسُه -إن شاء الله- المِفتاحُ لحلِّ إشكال المشابهة المذكورة!

ذلكم أنّ بطن الكَفّ اليمنى -بهذا المعنى- سيكون أولُ طرفِهِ على ساعد اليُسرى، وتكون بقية اليد اليمنى على الرُّسغ، وعلى كفّ اليُسرى.

لأنَّها (جميعًا) لا تُتصوَّر إلا هكذا. . .

مع التَّنبيه على أنّ السَّاعدَ أقربُ إلى الذراع والعضُد منه إلى الرُّسغ والكفّ؛ فتنبه!

وهذا الوضعُ (جميعًا) تستوي فيه اليدان -استقامةً- على حَدّ طرف الصدر الأدنى، ولا يكون له أي صلةٍ بطرفهِ الأعلى الذي يضطرُّ فاعلَه إلى التقويس والانحدار. . . والمشابهة، و. . .، و. .!!

وإنّي لأجزمُ -بلا مثنويّة- أنَّ هذه هي الصورةُ الحقيقيّة لِما وَرَدَ في السنّة النبويّة.

والموفق الله ...

وختامًا:

فإنّي أقدم للأخ السائل -وغيره- نصيحةً علميّةً مِن جهتَيْن:

الأولى: ما بوّبه الإمام ابن ماجه في «سُننه» (1/ 15) : (باب تعظيم حديث رسول الله، والتغليظ على مَن عارضه) ، وأورد تحته عدّة أحاديث وآثار، مِنها قولُ ابن مسعودٍ، وعليٍّ -رضي الله عنهما-:

«إذا حُدِّثتم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثًا؛ فظُنُّوا به الذي هو أهناه، وأهداه، وأتقاه» .

قال السِّندي في «شرحه» :

«أهناه: أي: الذي هو أوفق به من غيره، وأهدى، وأليق بكمال هُداه.

وأتقاه: أي: أنسب بكمال تقواه، وهو أن قولَه صوابٌ.

ونصحٌ واجبٌ العملُ به؛ لكونه جاءَ من عند الله -تعالى-، وبلّغه الناسَ بلا زيادة، ولا نقصان».

فيا أخي:

إذا أشكل عليك شيءٌ مِن الحديث النبويِّ -أو غيره-؛ فاتّهم عقلَك بالقصور، وفهمَك بالنقص:

{فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شَجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قَضيتَ ويسلموا تسليمًا} .

{وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} .

ولا يمنعنّك هذا من السُّؤال، والاستفسار، والاستعلام، دون تمكين الشُّبةَ والإشكال في قلبِكَ، حتى تنجوَ مِن مصائد إبليسَ، وتلبيسات الشيطان الرجيم ...

ولو فرضنا -جدلًا- أنَّ إشكالًا -أو أكثر- انقدح في عقلك، ولم تجد من يحلُّه لك (!) ؛ فهل هذا مسوّغٌ لأن تظلم نفسَك، وتُمْرِض قلبَك؟!

واللهُ ربُّنا يقول: {وما أوتيتم مِن العلم إلا قليلًا} .

ويقول -سبحانه-: {وفوق كل ذي علمٍ عليم} .

الثانية:

قال الإمام ابن القيِّم في «مفتاح دار السعادة» (1/ 443 - بتحقيقي) :

«قال لي شيخُ الإسلام -رضى الله عنه -وقد جعلت أُورِد عليهِ إيرادًا بعدَ إيراد-: «لا تجعل قلبكَ للإيراداتِ والشبهاتِ مثل السِّفِنجَة، فيتشرَّبها، فلا ينضحَ إلا بها، ولكن اجعَلهُ كالزُّجاجةِ المُصمَتة تَمرُّ الشبهاتُ بظاهرها، ولا تستقرُّ فيها، فيراها بصفائهِ، ويدفعُها بصلابتِه، وإلا؛ فإذا أَشرِبْتَ قلبَكَ كلَّ شبهَةٍ تَمرُّ عليها صارَ مَقرًّا للشبهات (2) أو كما قال» .

ثم قال:

«فما أعلم أنِّي انتفَعتُ بوصيّةٍ في دفعِ الشبهاتِ كانتفاعي بذلك.

وإنِّما سُمِّيتِ الشبهةُ شُبهَةً لاشتباه الحقِّ بالباطل فيها؛ فإنَّها تَلبِسُ ثوبَ الحقِّ على جسمِ الباطلِ، وأكثرُ النَّاسِ أصحابُ حُسْنِ ظاهرٍ، فينظرُ النَّاظرُ فيما أُلبِسَتْهُ منَ اللباس فيعتقدُ صحَّتَها.

وأمَّا صاحبُ العلمِ واليقينِ؛ فإنَّه لا يغترُّ بذلكَ، بل يُجاوِزُ نَظرَهُ إلى باطِنها وما تَحتَ لباسها، فينكشفُ له حقيقتُها، ومثالُ هذا: الدرهم الزَّائفِ؛ فإنَّه يغترُّ به الجاهلُ بالنَّقد نَظرًا إلى ما عليه مِن لباسِ الفضَّةِ، والنَّاقدُ البَصيرُ يُجاوزُ نَظَرَهُ إلى ما وراءَ ذلكَ فيطَّلعُ على زيفه.

فاللفظُ الحسَنُ الفَصيحُ هو للشبهَةِ بمنزلَةِ اللباسِ مِن الفضَّةِ على الدِّرهم الزَّائف، والمعنى كالنُّحاس الذي تحته.

وكم قد قَتلَ هذا الاعتذارُ مِن خَلْقٍ لا يُحصيهم إلا اللهُ!».

... فإيّاك والاغترار -أيها الأخ الموفَّق-.

ثبّتَنا اللهُ وإياكم على الحقّ والهدى، وجنَّبنَا -جميعًا- الزيغَ والرَّدى.

{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا مِن لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} .

وكتب

علي بن حسن بن علي بن عبدالحميد

الحلبي الأثري

ضُحى يوم الثلاثاء؛ لثلاثٍ

بقينَ مِن شهر ذي الحجة، آخِِر

شهور سنة (1427هـ)

-ختمها اللهُ لنا وللمسلمين بالسعادة والحسنى-.

الأردن -عمان

طارق - حي الشهيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت