فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 20085

ـ [أبو عبيدة محمد السلفي] ــــــــ [04 - Nov-2008, صباحًا 12:23] ـ

الجوابُ المغُيث عن الشُّبه الواردة على بعض الأحاديث

بقلم: فضيلة الشيخ أبي الحارث علي بن حسن الحلبي الأثري

يبسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، واتّبع هُداه؛ أمّا بعد:

فقد وصلتني وَرَقاتٌ كتبها بعضُ الإخوة الذين ابتُلُوا بسُكنى بلاد المشركين (!) ، ذاكرًا عن نفسه أنَّه طَلَبَ العلمَ -قَبْلًا- في بلاد الإسلام حينًا مِن الدهر، وأنَّ الدنيا -بَعْدُ- جَرَفَتْهُ -أعاننا الله وإياه، وثبّتنا على هداه-. . .

وخلاصةُ ورقاتهِ -هداه الله-: شُبَهٌ ثلاثٌ انقدحت في ذهنهِ حولَ بعض الأحاديث النبويّة، ممّا أدَّاه إلى أن يتشكَّك بمعناها، فَبَعَثَ إليَّ -منذ فترةٍ- ليعرفَ القَولَ الحقَّ فيها؛ فأقول وبالله التوفيق -معتذرًا عن التأخير-:

1 -ذَكَرَ حديث: «تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيدهِ لهو أشدُّ تفلُّتًا مِن صُدور الرجال مِن الإبل من عُقُلِها. .» ؟ مُشيرًا إلى أنَّه -نفسَه- يحفظ عددًا من السُّور والأجزاء -منذ صغره-، وأنه لم يتعاهد حفظه منذ سنوات، قال: «ومع هذا ما ضاع إلا النَّزْر اليسير جدًّا من حفظي»

مستفسرًا -عَقِبَ ذلك-: (هل قول: [لكل قاعدة شواذٌّ] يدخل في نصوص الشرع؟! أليس الحديث عامًّا؟! أليس واضحَ المعنى؟! إذاًَ؛ لماذا خالف الواقع؟!) !

كذا قال -هداه الله، وأصلحه، وأعانه-!

والصواب في فهم هذا الحديث: أنّه متعلّق بمن حفظ (القرآن) -كلَّه- عن ظهر قلبٍ؛ فهو الذي يتفلّت منه -عادةً-؛ أمَّا حافظُ السُّورة والسُّورتين، والجزء والجزئين، -وهكذا- فليس داخلًا في أساس الخطابِ، فبالعادةِ -أيضًا- قد يستمرُّ محفوظهُ هذا، وقد يذهب.

ودليل ما قلتُ -بِاختصار-:

أورد الإمام البخاري في (باب: استذكار القرآن وتعاهده) -من «صحيحه» - حديثَ ابن عمر

-مرفوعًا-: «إنَّما مَثَلُ صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل. . .» (1) .

وهي روايةٌ مفسِّرةٌ للروايةِ المسؤول عنها.

وفي روايةٍ -عند أحمد-: «مَثَل القرآن إذا عاهد عليه (صاحبه) ؛ فقرأه بالليل والنهار. . .» .

وفي (باب: اغتباط صاحب القرآن) ، أورد الإمام البخاري حديثَ ابن عمر -أيضًا- مرفوعًا-: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ الكتاب. . .» .

وكلُّ هذا جَلِيٌّ وهو ظاهرٌ فيمن حفظَ كتاب الله -كاملًا-.

وقد فسَّر المناوي في «فيض القدير» (788) «صاحب القرآن» بـ: (حافظه) ، ثم قال:

«وكلُّ شيءٍِ لازَمَ شيئًا فقد استصحبه» .

وفي «مرقاة المفاتيح» (4/ 642) -للقاري- بيانٌ في أن «الصاحب» هو (الحافظ) ، ثم شرحه بقولهِ: (الذي لا يفارق القرآن في حالة من الحالات) .

وقال ابن علان في «دليل الفالحين» - (باب الأمر بتعهد القرآن، والتحذير من تعريضه للنسيان) : «صاحب القرآن أي: الحافظ له عن ظهر قلب» .

قلتُ:

والتعبيرُ بـ (صاحب قرآن) -أي: حافظ له- مشهورٌ في كتب التراجم والتواريخ، ومثالُهُ: ما ورد في كتاب «معرفة القراء الكبار» -للذهبي- في ترجمة:

1 -أبي بكر بن عياش؛ قال: (صاحب قرآن) .

2 -أبي يوسف الأعشى؛ قال: (صاحب قرآن) .

3 -أحمد بن عبدالله العجلي؛ قال: (صاحب قرآن) -وغيرُهم كثيرٌ ... -.

.. . وأخيرًا:

لو كان الأمرُ -حقًّا-؛ على ما توهَّمه الأخ السائل -سدّده الله- فإنَّ وجودَ حالاتٍ قليلة تخالفُ الأصلَ والأساسَ -في سائر الأُمور والأشياء- لا تنقُضُه، ولا تُناقِضُهُ -بداهةً-؛ فتنبّه. .

2 -ثمّ ذكر الأخ السائل -سدّده الله- حديثَ: «بُرُّوا آباءَكم تبرَّكم أبناؤكم» ؛ ثمّ ذكر قصَّةً (!) فيها أنّ امرأةً بارّةً بأمِّها لها وَلَدٌ عاقٌّ بها!!

فتساءَل: (لماذا يتعارض الحديث مع الواقع؟!) !

فالجواب هُو الجوابُ؛ بمعنى (أنّ وجود حالاتٍ قليلة تخالف الأصلَ والأساس -في سائر الأمور والأشياء- لا تنقُضُه، ولا تُناقضُه -بداهةً-) ؛ فلا إشكالَ -بحمد الله-.

هذا -أولًا-، وهو كافٍ -درايةً-.

أمَّا ثانيًا -روايةً-:

فهذا الحديث لا يصحُّ ولا يثبتُ؛ فقد أورده شيخُنا الإمام الألباني -رحمه الله- في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (2039) وضعَّفه، ونقلَ قول الإمام العُقَيلي -فيه-: «ليس له أصل من حديث مالك، ولا من وجه يثبُتُ» .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت