فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
رجل يعرفه أهل مكة، فليس فيهم بالدعيّ في نسبه، أو الوضيع في حسبه، بل هو من أشرفها بيتا وأكرمها محتدا، تعرفه مكة وأهلها بالعفة والطهارة والصدق والأمانة، بل كانت تدعوه الصادق الأمين، فتستأمنه على النفيس من أموالها. تعرفه مكة بجبالها وأوديتها وأشجارها وأحجارها، بل كانت تحن إليه الأشجار، وتتودد إليه الأحجار، وتتبادل معه التحية والسلام.
فما حملت من ناقة فوق ظهرها أبر وأوفى ذمة من محمد
أتعرفون رجلا تكلمه الأشجار والأحجار، بل أتعرفون رجلا يسلم عليه الحجر ويحن إليه الشجر، إنه محمد صلى الله عليه وسلم، فكم بين ذلك الحجر الذي لسان حاله يخاطب الأب الظالم لنفسه وبنته، وبين حجر يتودد بإلقاء السلام، إن بينهما لبونا واسعا كما بين الشقوة والرحمة، أو كما بين اللعنة والنعمة.
لقد أرسله ربه رحمة للبشرية بقوله:? وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ? فكأن الله أعاد إليها تاريخها البشري يوم ابتعث إليها نبي الرحمة، تاريخ الآدمية والإنسانية الذي أضاعته، والذي تسمو به على كل المخلوقات، علمها لماذا خلقت، علمها أن يكون لها هدف سام في هذه الحياة لتعيش الحياة، فتقدر نعمة الحياة لتتوصل بها لأبديتها المطلقة.
لقد كان رحمة مهداة للكون صلى الله عليه وسلم، رحمة أخرجت الناس من رق العبودية إلى عزها، رحمة بين الله به طريق النجاة وسبيلها، وأنقذنا بها من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، رحمة نستمد منها رحمة أنفسنا، ونستنير بهداها بين أهلنا وذوي قرابتنا، ونستلهم وحيها مع غيرنا، فلم تقتصر على لون أو جنس أو عرق، بل قام سوقها على رجل وامرأة وصبي وحر وعبد، فهي للناس كافة، بل هي رحمة بكل مخلوق ولكل مخلوق.
كانت رحمة جبرية بمبعث خير البرية، فلم تكن عربية حصرية أو شرقية أو غربية، بل عالمية سماوية، حتى شملت البر والفاجر، والمقبل والمدبر، تظل الجميع بظلالها الوارفة، وتسقيهم من سحابتها الطارفة، مازال التاريخ يحدث حديثها ويروي نشيدها، فلم تكن أحاسيس فياضة فحسب، أو مشاعر وجدانية تبدأ وتنتهي في القلب، فما كان صاحبها بشاعر يجيد تصوير الجسد أو تجسيد الصور، بل كان للعالمين رحمة مرسلة، فكانت رسالته شرعة ومنهاجا لكل حق، ونواميس صدق وعدل للخلق، تستوي معها كل الأمم، وتستفيد منها حتى الرمم، وتلتقي عندها أرنبة الحر بالعبد، فلا خد ولا جد , وتستنطقها كل اللغات، فلا عذر بالبعد.
لقد كانت البهائم تدرك وجود هذه الرحمة وتتلمسها، فكم شرعت منهاجا ومعلما لرحمتها والإحسان إليها، شكى البعير إليه صلى الله عليه وسلم ظلم صاحبه وذرف الدموع بين يديه، فما برح من مكانه حتى أنصفه من صاحبه، وأتت إليه الحمّرة مفجوعة تفرّش بجناحيها وتشتكي أن فجعت بفراخها، فما غادرت حتى أعاد إليها فراخها ممن أخذها.
وحن إليه جذع شجر منحوت، كما يحن الصبي لأمه وكما تحن العشار لأسقابها، فما سكت حتى لامس الرحمة واحتضنه نبي الرحمة وإلا لحن إلى يوم القيامة، كانت تدرك هذه المخلوقات بحسها وبوحي الله لها وجود هذه الرحمة في هذا النبي العظيم.
وبعد ... ، أيعقل أن يفكر مخلوق بالهم بسؤ إلى هذه الرحمة، فيسود بريشته صفحات طهر ونقاء سخّم الله وجهه بالرغام، أو يكتب كاتب بالسواد عن صفحات النور والرحمة سخرية، بيض الله سواد عينيه بالسهر والسقام، لقد انبعث لكل نبي أشقياء من قومهم، فبارزوهم بالسباب وأصناف الأذى، فتحملوا عليهم الصلاة والسلام ما تحملوا في إيصال رسالتهم وتبليغ دعوتهم، سُبو وشُتمو وقُتلو، وأوذوا في أعراضهم ودمائهم وأموالهم، فما ثناهم ثان عن رسالتهم وقصدهم.
هذا نوح أول الرسل، لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فكان ملأهم يسخرون منه فيجيبهم بوحي السماء ? إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ?
وهذا خليل الله ونبيه إبراهيم، قام لله آمرا ناهيا ? فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه? حتى قام مقامه المشهود في التسفيه بآلهتهم، فأنجزوا ما وعدوا وقالوا ?حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ? فألقوه في النار فكانت إرادة الرحمن الرحيم أن جعلها بردا وسلاما على إبراهيم.
(يُتْبَعُ)