فهرس الكتاب

الصفحة 5287 من 20085

وهذا كليم الله موسى، رماه قومه بداء معيب وسحر وجنون فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها.

وهذا كلمة الله عيسى، رميت أمه العفيفة بالفاحشة وأجمع قومه على قتله، فأخذوا من شبه لهم بأنه هو فقتلوه وصلبوه، وتشدقوا بفعلتهم فأخزاهم الله ? وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ?.

وهذا خاتم الأنبياء وأفضل الرسل محمد، أخرجه قومه من أرضه وأهله، ولاكت السنة إفك سؤ في عرضه، فأورثه الله أرضهم وديارهم ورقابهم، إلا أنه لما كان نبي الرحمة وأمكنه الله منهم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فصفح صفح المقتدر، وأحسن إحسان المتفضل، وجعلها كلمة خالدة في الآخرين.

فما زادهم الأذى من ملأ قومهم إلا إيمانا برسالتهم، وثباتا في دعوتهم، ونصرة من ربهم، ورفعة على قومهم، لأنهم صفوة الله من خلقه، وخلقه المصطفين، وخاصته المقربين، ورسل هدايته ورحمته، فعليهم من ربي صلواته وتسليماته.

أما إن طريق الدعوة لمخوف مشوك، وأرض مأسدة لن تعدم أحمقا أنوك، من تشرف بنهجها لزمه الصبر على ليّها، والتأسي بميتها وحيّها، ممن أوذوا في الله فصبروا، وما استكانوا وما ضعفوا.

لها كير يعرف به الباكي من المتباكي، والدعيّ من الداعي، فلزم من تسنّمها أن يعد للأمر عدته، ويعلم أنه بالبلاء مسبوق فيأخذ أهبته، ولا يقدمن إلا على بصيرة، وإلا كان مصيره في كثير من أمره العناء والحيرة.

إن البهائم والطير لتدرك من معان الرحمة مالم يدركه أعدا الله ورسله، ممن استهواهم الشيطان، وختم على سمعهم وأبصارهم، إن البقرة الحلوب لتدرك من عبادة الله ما أعرض عنه أربابها في كثير من أقطار الدنيا.

فليسأل بني الأصفر بقرته الحلوب، ألم ينه صلى الله عليه وسلم عن ركوب ظهرها وضربها، سل نعجتك وشاتك الراتعة ألم يأمرنا بأن نصلح لها الطريق ونمهده حتى تسير في يسر وسهوله، سل هرتك الطوافة ألم يكن نبي الرحمة يرخي لها السقاء حتى تشرب وترتوي، سل كلبك الوفي ألم يخبرنا نبي الرحمة بأنه كان يوما سببا لمن أحسن إليه في دخول الجنة، سل النملة في قريتها ألم ينهنا عن حرقها وتعذيبها والإساءة إليها، سل الطير في وكناته ألم يستجر حين أخذت صغاره بالرحمة المهداة، سل البهائم كلها ألم ينه عن التفريق بين والدة وولدها، سلها ألم يأمرنا بالرحمة بها والإحسان إليها حتى عند ذبحها.

ستجيبك لو كان لها بيان، بأنك أيه الإنسان، لا تساوي في ميزان الحقيقة الإنسانية ونيم الذباب عند تنكرك لهذه الرحمة، ستجيبك بأن هذه الرحمة لم ترسل للون أو جنس أو عرق، بل للبشرية كافة، بل لكل مخلوق يلامسه الأثير، فكيف بالإنسان الذي يسير.

لقد عرفت العرب في تاريخها من بلغت بهم النخوة والشهامة مكانا محمودا، حتى سمي أحدهم بمجير الذئب، وآخر بمجير الطير وثالث بمجير الوعل ... ، لكن محمد صلى الله عليه وسلم كان مجيرا للإنسانية كافة لأنه الرحمة المرسلة.

إنك لتعجب من قوم دوابهم أفطن منهم، بل أطوع لله وأعبد، فوا عجبا بقرة خير من إنسان؟! وهل يبقى للإنسانية معنى عند كفرها بخالقها وإعراضها واستكبارها؟!، هل يبقى لها شئ من معنى الحياة الحقة عند تكذيبها لرسله والسخرية منهم والاستهزاء بهم؟!.

لا يبقى إلا شئ من البهيمية التي لا ترقى لمستوى كثير من البهائم، فما قيمة الإنسان وهو يعلم أن وجوده في هذا الكون بأمر الله! وأن الله كرمه على سائر المخلوقات، ثم هو يتنكر لهذه المنحة الربانية ويعاديها وينسلخ من كل معانيها؟ لاشئ لاشئ.

إننا نغضب ونغضب وغضبنا وسنغضب ومن الذي لن يغضب أولم يغضب لهمسة يُنتقص بها من مقام الأنبياء، إن أحدنا ليغضب إذا جَهِل عليه أحد السفهاء، أو انتُقص ملح طعامه، أو انقطع شسع نعله، أولا يراد منا أن نغضب ونحن نرى بعض السفهاء يتعدى كل حمق بشري، فيبلغ في العتو والسفه منتهاه، ليسئ لمن أتى إليه بالرحمة والهدى والنور، ويسخر بمن أتى له منقذا ومخلصا من التيه الذي هو فيه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت