فهرس الكتاب

الصفحة 5288 من 20085

فليت له عقل بقرته السارحة في مرعاها، ولعمري وما عمري علي بهين خاصة مع مثله، ما أظن البقر يقبل به واحدا من صواره لو قدر له ذلك، فما هو إلا عار على الإنسانية حين يئد معناها في ضميره ووجدانه، فيعادي رسل الإنسانية والرحمة والهداية، وينفتل لسبهم والسخرية بهم، وينبعث ليكون في صفها أشقاها، ويتفنن كي يبلغ في السخرية منتهاها، فبسم الله مجراها ومرساها، مع كل كلمة بالحق مغلغلة، وللظالم مزلزلة، وبالحق وللحق مدوية، فليس يصلح هذا الضرب من الفن إلا سيف مليح، أو توبة كالصبح الصريح، ولن تفلح أمة آذت نبيها، أو توانت عن نصرته والذب عن جنابه الشريف.

لقد كان المسلمون يستبشرون بألغلبة على أعدائهم حين يسمعون منهم سب نبيهم، فتفح لهم الحصون وتدك القلاع وتملك الرقاب، فلن يخلف الله وعده في تعجيل النصَفَة من منتقصهم، فهل في قلوبنا مافي قلوب الأولين حتى نستبشر بهذه النصرة، أم أن القلوب صدئة تحتاج إلى تجلية وتطهير، فيعوزنا النصرة لهم من أنفسنا وسمتنا وهدينا الشئ الكثير، ولعل إمضاء هذا لا يعوزه استشارة أو تخيير، فإن لم تكن سحابة مودقة فاستمطار وتمطير، فهاهي المنابر قد علت في كل واد لكنها تشكوا قلة المتعبدين، وهاهي المنكرات يتندر بها جهرة في المحافل والميادين، وأمور تتبدى كل يوم يحار لها الحليم في كل حين، فما أحوج توبتنا إلى توبة، ونصرتنا إلى نصرة.

إن العالم كله ليعيش لحظات سؤ هضم فكري، أفرزت عنه عصارة صفراوية وأخلاطا وغددا تحتاج معه لاستئصال، فالأيام حبلى بالكثير من التوائم المشوهة التي تحتاج إلى وأد شرعي، وما هذا إلا للإعراض عن هدي الرحمة المرسلة، والتيه في اختيار أقوم النجدين طريقا، حتى كادت الأرض تتجرد عن ردائها الأخضر الجميل، وتكتسي ضؤ الشمس فتحرق كل ورقة خضراء يستظل بها عن لهيبها، فلم يعد من البساتين ماتهنأ معه الحياة ويطيب العيش إلا ما نبتت باسمه تلكم الرحمة المرسلة، ورسمت على نهجه تلكم الطريقة الراشدة، ولم يعد من الحياة ما يطيب للنفس أن تحياه إلا مع نوره الذي يزيح هذا الظلام الدامس الذي أجدبت معه الأرض، وامتنع القطر، وهجر الصاحب الصاحب، والخليل خليله اللازب، واختصم الولد مع الوالد، وبخل الواجد، وكسر ظهر الفاقد، وكاد كل لون يفقد لونه، وكل لذيذ من العيش يفقد طعمه، وكل زاك من الطيب يفقد طيبه، فما أشقاها من حياة حين تنكبها عن هذه الرحمة! وما أضيقها من دنيا حين لم يسعها هدي نبي الرحمة!.

ومع هذه الفسالة المخجلة، فلا بد أن نري الله من قلوبنا خيرا، وأن يتحمل كل منا وسعه في هذه الغضبة، ويجاهد جهده بسنان أو قلم أو إيالة، وياليت شعري كيف للأمة بصعقة غضبية عمرية، وإن لم يكن ثم فمعتصمية.

وبعد هذا فلن نتعدى في غضبنا هذا فوق ما كان من نبينا صلى الله عليه وسلم، أو نتكلف فوق جهدنا، وإن كان الكمد يغلي بالقلب غليان المرجل بما فيه، فلقد أوذي صلى الله عليه وسلم من قبل فصبر، إذ كانت الرحمة المتدفقة من قلبه ملكته زمام كل رحمة في طول الأرض وعرضها، وأورثته قوة وعظمة تعلو كل انتصار، فلم ينتصر انتصار المقهور المغلوب على أمره بل عفى وأصلح، ولم يردّ تسفها إذ كان يستقى الحكمة من تنزيل الحكيم الحميد، فكان بخلقه العظيم وصدره المنشرح يحمل للدنيا كلمة جديدة على سمعها لم يسعها معها إلا المعاداة، فلم يجبها جواب شاعر أو ناثر، بل سكت سكوت القوي الذي لا يريد من الكلمة إلا خلْقها حين يلقيها، حتى تكون كالغيث الملاقي أرضا ميتة، فينبت به العشب وتخضر له الأرض ويدر معه الضرع، فكان لا يضاهي فصاحته حين يتكلم إلا بلاغته في السكوت، لقد كان في سكوته إرادة وحديثا ورؤية تنقشع به هذه الظلمة وتتبدد له هذه الغشاوة، وهو بذلك يستنطق هذه الوجوه الخاسرة كي تتساقط أوراقها فتسفر عن ورق مخضر يتنفس ينبوع الحياة العذبة الصادقة.

ولم يضرب بيده الشريفة ضعيفا ليخيف بذلك الأقوياء، بل كان يقصدهم فيعرض عليهم رسالته وما حمله إليهم من نور ورحمة فشقي وسعيد، فلن يسعنا إلا ما وسعه صلى الله عليه وسلم من ذلك، فهذا قبس لم يخفت ضوؤه بل هو ممتد حتى يشاء الله، ولمثل هذا الصنيع من أعداء الرسل باب من الرحمة يتسع لناشد إنسانية الإنسانية في جلال العبودية، لأنها لم تكن يوما عربية بل عالمية، ولم تكن أرضية بل سماوية، فكانت ربانية ملهمة، وتاريخ جديد ورحمة مرسلة.

ولصعوبة التنسق ارفقه منسقا على الوورد وبالله التوفيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت