واختلف أهل العربية في الرافع (أَحَدٌ) فقال بعضهم: الرافع له"الله", وهو عماد بمنزلة الهاء في قوله: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وقال آخر منهم: بل هو مرفوع, وإن كان نكرة بالاستئناف, كقوله: هذا بعلي شيخ, وقال: هو الله جواب لكلام قوم قالوا له: ما الذي تعبد؟ فقال:"هو الله", ثم قيل له: فما هو؟ قال: هو أحد.
وقال آخرون (أَحَدٌ) بمعنى: واحد, وأنكر أن يكون العماد مستأنفا به, حتى يكون قبله حرف من حروف الشكّ, كظنّ وأخواتها, وكان وذواتها, أو إنّ وما أشبهها, وهذا القول الثاني هو أشبه بمذاهب العربية.
"رأيه في قراءة أحد"
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار (أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) بتنوين"أحدٌ", سوى نصر بن عاصم, وعبد الله بن أبي إسحاق, فإنه رُوي عنهما ترك التنوين:"أحَدُ اللهُ"; وكأن من قرأ ذلك كذلك, قال: نون الإعراب إذا استقبلتها الألف واللام أو ساكن من الحروف حذفت أحيانا, كما قال الشاعر:
كَيْفَ نَوْمي على الفِرَاشِ وَلَمَّا
تَشْمَلِ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ
تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وَتُبْدِي
عَنْ خِدَامِ العَقِيلَةِ العَذْراءُ
يريد: عن خدام العقيلة.
والصواب في ذلك عندنا: التنوين, لمعنيين: أحدهما أفصح اللغتين, وأشهر الكلامين, وأجودهما عند العرب. والثاني: إجماع الحجة من قرّاء الأمصار على اختيار التنوين فيه, ففي ذلك مُكْتَفًى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وقد بيَّنا معنى قوله"أحد"فيما مضى, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
وقوله: (اللَّهُ الصَّمَدُ) يقول تعالى ذكره: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له الصمد.
واختلف أهل التأويل في معنى الصمد, فقال بعضهم: هو الذي ليس بأجوف, ولا يأكل ولا يشرب.
"ثم تعرض لذكر من قال ذلك"
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
وقال آخرون: هو الذي لا يخرج منه شيء. ---
"ثم تعرض لذكر من قال ذلك"
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
وقال آخرون: هو الذي لم يَلِد ولم يُولَد.
"ثم ذكر من قال ذلك"
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
وقال آخرون: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدده.
ثم ذكر من قال ذلك""
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله"وقال آخرون: بل هو الباقي الذي لا يفنَى."
ثم ذكر من قال ذلك""
"وخلص إلى رأيه"
قال أبو جعفر: الصمد عند العرب: هو السيد الذي يُصمد إليه, الذي لا أحد فوقه, وكذلك تسمى أشرافها; ومنه قول الشاعر:
ألا بَكَرَ النَّاعي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ
بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال الزبرقان:
وَلا رَهِينَةً إلا سَيِّدٌ صَمَدُ
فإذا كان ذلك كذلك, فالذي هو أولى بتأويل الكلمة, المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه; ولو كان حديث ابن بُريدة, عن أبيه صحيحا, كان أولى الأقوال بالصحة, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما عنى الله جل ثناؤه, وبما أنزل عليه.
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
وقوله: (لَمْ يَلِدْ) يقول: ليس بفانٍ, لأنه لا شيء يلد إلا هو فانٍ بائد
(وَلَمْ يُولَدْ) يقول: وليس بمحدث لم يكن فكان, لأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن, وحدث بعد أن كان غير موجود, ولكنه تعالى ذكره قديم لم يزل, ودائم لم يبد, ولا يزول ولا يفنى.
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ولم يكن له شبيه ولا مِثْل.
ثم ذكر من قال ذلك""
وقال آخرون: معنى ذلك, أنه لم يكن له صاحبة.
ثم ذكر من قال ذلك""
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
والكُفُؤُ والكُفَى والكِفَاء في كلام العرب واحد, وهو المِثْل والشِّبْه; ومنه قول نابغة بني ذُبيان:
لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْن لا كِفَاء لَهُ
وَلَوْ تَأَثَّفَكَ الأعْدَاءُ بالرِّفَدِ
يعني: لا كِفَاء له: لا مثل له.
قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله""
واختلف القرّاء في قراءة قوله: (كُفُوا) . فقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة: (كُفُوا) بضم الكاف والفاء. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بتسكين الفاء وهمزها"كُفْئًا". والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان, ولغتان مشهورتان, فبأيَّتِهِما قرأ القارئ فمصيب.
تمّ تأويل سورة الإخلاص
(يُتْبَعُ)