فهرس الكتاب

الصفحة 5521 من 20085

قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد عن عبيدا لله بن أبى رافع قال: سمعت عليًا يقول: بعثنا رسول الله e أنا والمقداد والزبير فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظغينة معها كتاب) فخرجنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بالظعينة، فقلنا لها: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب, فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله e فإذا فيه"من حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من المشركين ممن بمكة"يخبر ببعض أمر النبي e قال: (ما هذا يا حاطب؟) قال: لا تعجل على يا رسول الله! إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسها, وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم يكن لى بمكه قرابة فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا، والله ما فعلته شكًا في ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله e: ( إنه قد صدق) فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي e:( إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل.

الله U قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)قال: فنزلت) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء (.

قال الشافعي رحمه الله تعالى:[في هذا الحديث ـ مع ما وصفنا لك ـ طرح الحكم باستعمال الظنون.

لأنه لما كان الكتاب:

"يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكًا في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله."

"ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام."

"واحتمل المعنى الأقبح ... كان القول قوله فيما احتمل فعله."

وحكم رسول الله e فيه بأن: لم يقتله. ولم يستعمل عليه الأغلب.

ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا؛ لأن أمر رسول الله e مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده.

فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله e ورسول الله e يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولًا كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه] .

التعليق:

أ - من فوائد الحديث - إضافة إلى كون الجاسوس لا يقتل - طرح الحكم باستعمال الظنون؛ فلا يحكم على مسلم بمجرد الظن وإن كان غالبًا في مقابل يقين الأصل والبراءة الأصلية.

ب - كتاب حاطب رضي الله عنه للمشركين يحتمل ثلاثة احتمالات ... , ولما احتمل فعله كان القول قوله فيما احتمل فعله؛ ولهذا استجوبه النبي e - بأبي هو وأمي- حتى يتبين قصده ومراده, ولم يحكم عليه بالأغلب؛لأن الأغلب أن موالاة الكافرين إنما تصدر عن المنافقين.

ج - تجسسُ حاطب رضي الله عنه هو أخطر تجسس في التاريخ - حسب الظاهر -؛ لأنه تجسسٌ على أعظم الخلق أجمعين محمد e، وتجسس عليه ليس كتجسس على من سواه.

د - إذا لم يستعمل الأغلب على جاسوس تجسس للمشركين على رسول معصوم فمن دونه من الجواسيس أولى بأن لا يستعمل في حقهم الأغلب،وأن يكون القول قولهم فيما احتمل فعلهم. وهذا هو مقتضى قياس الأولى.فظهر بجلاء لا

خفاء فيه أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لا يرى كفر الجاسوس الذي يتجسس للمشركين على المسلمين مطلقًا، وإنما يرى استجوابه لتظهر حقيقته كما استجوبه رسول الله e, فهذه هي السنة و مذهب أهل السنة، بل جمهور الفقهاء لم يجز قتله بله تكفيره!

ثم ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ما يمكن أن يرد على استدلاله بالحديث وأجاب عنه فقال:

[قيل للشافعي: أ فرأيت إن قال قائل: إن رسول الله e قال: (قد صدق) إنما تركه لمعرفته بصدقة لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره. فيقال له:

-قد علم رسول الله e أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي e في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كلًّ بالظاهر وتولى الله U منهم السرائر.

-ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكمًا له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية.

-وكل ما حكم به رسول الله e فهو عام حتى يأتي: عنه دلالة على أنه أراد به خاصًا. أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجعلوا له سنة. أو يكون ذلك موجودًا في كتاب الله U .

قلت للشافعي: أفتأ مر الإمام إذا وجد مثل هذا بعقوبة من فعله أم تركه كما ترك النبي e؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت