فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فقال الشافعي: إن العقوبات غير الحدود فأما الحدود فلا تعطل بحال، وأما العقوبات فللإمام تركها على الاجتهاد، وقد روى عن النبي e أنه قال: (تجافوا لذوى الهيئات) وقد قيل في الحديث: (ما لم يكن حد) . فإذا كان هذا: من الرجل ذي الهيئة بجهالة كما كان هذا من حاطب بجهالة وكان غير متهم أحببت أن يتجافى له. وإذا كان من غير ذي الهيئة كان للإمام ـ والله تعالى أعلم ـ تعزيره.
وقد كان النبي e في أول الإسلام يردد المعترف بالزنا فترك ذلك من أمر النبي e لجهالته يعنى المعترف بما عليه، وقد ترك النبي e عقوبة من غل في سبيل الله].
التعليق:
أ - أورد الشافعي رحمه الله تعالى شبهة أن النبي e حكم في حاطب رضي الله عنه بعلمه وردها من ثلاثة أوجه:
1 -أن النبي e لا يحكم في الناس بعلمه بدليل تعامله مع المنافقين فقد علم باطن طائفة منهم بالوحي (قصة حذيفة) وحقن دماءهم بالظاهر.
ب - أن مثل هذا التعليل يفتح الباب للحكام بعد النبي e ليتركوا حكمه بمثل هذه العلة من علل أهل الجاهلية الذين يتركون أحكام الشريعة البينة بتعليلات عقولهم السخيفة.
ج - أن الأصل في ما حكم به النبي e العموم حتى يرد ما يخصصه من: كتاب أو سنة أو إجماع.
د - مسألة التعزير غير مسألة الحد والقتل فيجوز للإمام أن يعزر الجاسوس المسلم - عند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى - بما دون القتل إلا أن يكون من أهل الهيئات لاسيما إذا ارتكب هذه المعصية بجهالة لا عن خبث و سوء طوية.
ثانيًا: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
1 -تواتر قصة حاطب ودلالاتها عند السلف:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعدما ذكر حديث حاطب وقصته:
(وهذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحتها وهي متواترة عندهم معروفة عند علماء التفسير وعلماء الحديث وعلماء المغازي والسير والتواريخ وعلماء الفقه وغير هؤلاء، وكان علي رضي الله عنه يحدث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة وروى عنه كاتبه عبد الله بن أبي رافع ليبين لهم أن السابقين مغفور لهم ولو جرى منهم ما جرى، فإن عثمان وعليًا وطلحة و الزبير أفضل باتفاق المسلمين من حاطب بن أبي بلتعة وكان حاطب مسيئًا إلى ممالكيه وكان ذنبه في مكاتبته المشركين وإعانتهم على النبي e وأصحابه أعظم الذنوب التي تضاف إلى هؤلاء، ومع هذا فالنبي e نهى عن قتله وكذب من قال: إنه يدخل النار لأنه شهد بدرًا والحديبية وأخبر بمغفرة الله لأهل بدر، ومع هذا فقد قال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق واستحل قتله ولم يقدح ذلك في إيمان واحد منهما ولا في كونه من أهل الجنة) ، ثم ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى قصة الإفك وما حدث فيها.
التعليق:
أ - حديث حاطب وقصته في مكاتبة المشركين متواترة.
ب - كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يروي الحديث في خلافته ليبين للناس أن السابقين مغفور لهم ولو جرى منهم ما جرى، والمقصود كبائر الذنوب بدون شك لأن الشرك لا يُغفر إلا بالتوبة, والتوبة عامة لكل أحد ليست خاصة بالسابقين الأولين. وإذا كان علي رضي الله عنه يستدل بالحديث على أن حسنات الأولين المتقدمة تكفر ما يحدث منهم من أخطاء ولو كانت كبائر فإذا كان علي رضي الله عنه يستدل لذلك، ولم يعارضه في هذا الاستدلال.
أحد علم أن فهم السلف لهذا الحديث كان كذلك وأنهم فهموا منه أن حاطبًا رضي الله عنه ارتكب كبيرة غير أنه غفر له بحسنة بدر.
ج - في حديث حاطب رضي الله عنه موضعان للاستدلال لما أراد علي رضي الله عنه الاستدلال له:
"الأول: ما حدث من حاطب رضي الله عنه من مكاتبة المشركين وإعانتهم على النبي e مكفَّرًا بشهوده بدرًا."
"الثاني: ما حدث من عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وقوعه في تكفير حاطب رضي الله عنه خطأ وتأويلًا واستحلاله قتله، ولم يقدح ذلك في إيمانه لسابقته."
د - أن إعانة المشركين على المسلمين ليست كفرًا على الإطلاق فإذا كانت إعانة المشركين على النبي e قد لا تكون كفرًا كما في قصة حاطب رضي الله عنه، فإعانة الكفار على من دون النبي e من المسلمين أولى بأن لا تكون كفرًا على الإطلاق، وإنما قد تكون كفرًا مخرجًا من الملة وقد تكون كبيرة دون الشرك.ومعلوم أنه لا تجسس أعظم من تجسس على محمد e.
(يُتْبَعُ)