وتدبر .. جاء في القرآن الكريم الحديث عن النظر في الأرض والتدبر في مخلوقات الله، مرة بصيغة الأمر بأن يسيروا في الأرض من أجل النظر وتدبر آيات الله في خلقه، ومرة بأسلوب الحض، ومرة بصيغة التراخي (ثم) تنادي على من ضرب في الأرض غازيًا أو تاجرًا أو زائرًا أو مهاجرًا أن ينظر حين السير, ففهم العربي البدوي الأمي - جدِّي يرحمه الله - المحب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أنه مأمور بتدبر آيات الله الكونية، فعاد من الغزو ومن الترحال يتكلم عن أنواع الجبال (صخرية ورملية ... الخ) وعن أنواع الصخور، ويصف بعض الظواهر الغريبة وبالتالي يبحث لها عن تفسير، كأن يرى بحيرة ملحاء في وسط الصحراء فيقول أن البحر كان هاهنا يوما ما ثم انحسر بفعل الريح التي حملت الرمل .. وانتهى الأمر بعلم الجيولوجيا، وعاد بعضهم يصف النباتات وخرجوا علينا بعلم (المورفولوجي Morphology) ، وقل مثل ذلك في نظريات الفلك والهندسة والطب ... الخ.
تحول العلم من نظري إلى تجريبي فحدثت النقلة النوعية في العلم التقني, كل هذا ببركة الامتثال لأمر الله.
رابعا: الخطاب الشرعي أخروي, معنيٌ بالآخرة، يتقدمه قول الله تعالى (والله يريد الآخرة) .. وصلاح الدنيا يكون إحدى ثمار طاعة الله.
بكلمات أوضح أتت الشريعة لتعبيد الناس لله، وعمارة الأرض يأتي في سياق مستلزمات تعبيد الناس لله، والعدل بين الناس يأتي كثمرة من ثمار عبادة الله في الأرض.
فالخطاب الشرعي أخروي في جميع مفرداته وقضايا الدنيا تكون تبعا لقضايا الآخرة، مثلًا الصلاة تَعبّدٌ في جوهرها إلا أنها تُثمر إصلاحًا في واقع الناس {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] , ولكنها ما شرعت أساسا للنهي عن الفحشاء والمنكر بل النهي عن الفحشاء والمنكر إحدى أهدافها الفرعية.
والزكاة فيها تكافل اجتماعي، ولكن التكافل الاجتماعي وسدِّ حاجة الفقراء ليس هو الأساس من فرض الزكاة وتشريع الصدقة وإنما {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 13] , {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37] ، فتزكية النفس وتطهيرها لتنال رضوان الله والفوز في الآخرة هو المقصد الأول وغيره فرغ عليه ولا يقبل بدونه.
وفي موسم الحج {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28] , ولكن الحج لم يشرع أساسًا لأغراض اقتصادية وإنما تأتي الأغراض الاقتصادية إحدى الأهداف الجانبية.
وكذا الصوم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] هذا هو هدفه الرئيسي تحقيق التقوى، وتأتي أهداف جانبية للصوم منبثقة من هدفه الرئيسي مثل صلاح الفرد (الصائم) في بيئته [وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ] .
فخطاب الشرع في الأساس لم يَفْصل الدنيا عن الآخرة، بل رتبهم فجعل هذا من ذاك، الأخروي يتحكم في الدنيوي والأخروي هو الأساس، وفائدة هذا الكلام هو أننا لسنا معنيين بتقدم تقني وحضاري دون أن ننطلق من أساس شرعي, دون بناء قاعدة صلبة على مستوى الأمة والجماهير والأفراد المعنية بالبحث في هذا المجال, والنقطة التالية تزيد هذا الكلام وضوحا.
(يُتْبَعُ)