فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فإن كان أخر قبل الإسلام فقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أخره فالأمر واضح، وإن كان عمر هو الذي أخره فإنما عمل بدلالة القرآن كما مر، وكأن الضيق إنما تحقق في عهده حين كثر المسلمون، ومع دلالة القرآن عمل الخليفة الراشد، وإجماع الصحابة فمن بعدهم، ودلالة القرآن مستغنية بنفسها.
وهذا المعنى الذي اقتضى تأخيره إذ ذاك قائم الآن، فاقتضاؤه للتأخير الآن بغاية الوضوح.
فأما ما روي أن السيل احتمله في عهد عمر، فتحرى عمر إعادته في مكانه، فكأن عمر لما أخره قبل ذلك تحرى أن يبقى مع تأخيره مسامتا للموضع الذي كان يليه من جدار الكعبة، لا يميل عنه يمنة أو يسرة، لأن المعنى المذكور إنما أوجبه التأخير فاقتضى عليه، فلما احتمله السيل بعد ذلك تحرى عمر إعادته إلى مكانه لأجل المسامتة.
وعلى القول بأنه أخر قبل عمر فتحريته إعادته إلى مكانه قد تكون لما ذكر، وقد تكون لأنه لم يكن (هناك) داع لتحويله، لأنه لم يكن قد حصل التضييق.
وعلى ما ذكر فإذا أخر الآن فينبغي أن لا يخرج به عن مسامتة الموضع الذي يسامته الآن من الكعبة، لا يميل عنه يمنة ولا يسرة.
وقد يمكن الجمع بين تهيئة المطاف والمحافظة على موضع المقام في الجملة، بأن يهدم البناء ويعلم موضع المقام بعلامة ثابتة، ثم يوضع في صندوق ثقيل وتجعل له ظلة خفيفة على عجل، ففي أيام الموسم يؤخر الصندوق بالظلة إلى حيث تدعو الحاجة - مع المحافظة على السمت -، ثم عند زوال الموجب يعاد إلى موضعه الآن.
وكالحكم في المطاف الحكم في المسعى، أمر الله عز وجل بالسعي بين الصفا والمروة يوجب تهيئة موضع يسعى الناس فيه يكون بحيث يكفيهم، فإذا اقتصر من مضى على موضع يكفي الناس في عصرهم، ثم ضاق بالناس فصار لا يكفيهم وجبت توسعته بحيث يكفيهم، وإذا وسع الآن بحيث يكفي الناس فقد يجيء زمان يقتضي توسعته أيضا.
هذا وقد جرى تغيير للمسعى في بعض جهاته في زمن المهدي العباسي، ففي تاريخ الأزرقي ج 2ص 59 - 60في زيارة المهدي سنة 160فما بعدها"ودخلت أيضا دار خيرة بنت سباع الخزاعية، بلغ ثمنها ثلاثة وأربعين ألف دينار دفعت إليها، وكانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يؤخر المسعى".
وفيه ص 63في ذكر زيارة المهدي الثانية"وكان المسعى في موضع المسجد الحرام اليوم".
وفيه ص 64"واشتروا الدور وهدموها، وهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العائدي، وجعلوا المسعى والوادي فيها ..".
ويشهد لهذا انحراف المسعى في ذاك الموضع، وكأنه كان قبل ذلك على خط مستقيم بين الصفا والمروة، أو أدنى إلى الاستقامة.
وذكر القطبي في تاريخه ص 47من الطبعة الأولى هذا التحويل ثم قال"وهنا إشكال لم أر من تعرض له وهو أن السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية التي أوجبها الله علينا في ذلك المحل المخصوص، ولا يجوز لنا العدول عنه، ولا تعتبر تلك العبادة إلا في ذلك المكان المخصوص الذي سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وعلى ما ذكره هؤلاء الثقات ادخل ذلك المسعى في الحرم الشريف، وحول المسعى إلى دار ابن عباد كما تقدم، وأما المكان الذي يسعى فيه الآن فلا يتحقق إنه بعض من المسعى الذي سعى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره، فكيف يصح السعي فيه وقد حول عن محله كما ذكر هؤلاء الثقات؟"
ولعل الجواب عن ذلك أن المسعى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عريضًا، وبنيت تلك الدور بعد ذلك في عرض المسعى القديم، فهدمها المهدي وأدخل بعضها في المسجد الحرام، وترك بعضها للسعي فيه، ولم تحول تحويلًا كليًا وإلا لأنكره علماء الدين من العلماء المجتهدين - رضي الله عنهم أجمعين - مع توفرهم إذ ذاك، فكان الإمامان أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والإمام مالك موجودين يومئذ، وقد أقروا ذلك وسكتوا، وكذلك من صار بعد ذلك الوقت في رتبة الاجتهاد كالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل، وبقية المجتهدين فكان إجماعا ..
وبقي الإشكال في جواز إدخال شيء من المسعى في المسجد، وكيف يصبر ذلك مسجدا، وكيف حال الاعتكاف فيه؟
وحله بأن يجعل حكم المسعى حكم الطريق فيصير مسجدا ويصح الاعتكاف فيه، حيث لم يضر بمن يسعى، فاعلم ذلك، وهذا مما انفردت ببيانه ولله الحمد"."
(يُتْبَعُ)