فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الْمُرْتَدُّ قَالَ أَبُو بَكْر: وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إلَى الْيَهُودِيَّةِ لَا يَكُونُ يَهُودِيًّا، وَالْمُرْتَدَّ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ لَا يَكُونُ نَصْرَانِيًّا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إنْ كَانَتْ امْرَأَةً، وَأَنَّهُ لَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ وَلَا يَرِثُهُ؟، فَكَمَا لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى إيجَابِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، كَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَحَدُ وَجْهَيْنِ:
إنْ كَانَ الْخِطَابُ لِكُفَّارِ الْعَرَبِ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ إذَا تَهَوَّدُوا أَوْ تَنَصَّرُوا كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَهُمْ فِي جَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ وَأَكْلِ الذَّبِيحَةِ وَالْإِقْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ بِالْجِزْيَةِ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مِثْلُهُمْ بِمُوَالَاتِهِ إيَّاهُمْ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِ الْمِيرَاثِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمَّا كَانَ ابْتِدَاءُ الْخِطَابِ فِي الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ"لَمْ يُحْتَمَلْ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ:"وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ"مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
قِيلَ لَهُ: لَمَّا كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِأَوَّلِ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُمْ الْعَرَبُ، جَازَ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ:"وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ"الْعَرَبَ، فَيُفِيدَ أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إذَا تَوَلَّوْا الْيَهُودَ أَوْ النَّصَارَى بِالدِّيَانَةِ وَالِانْتِسَابِ إلَى الْمِلَّةِ يَكُونُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِجَمِيعِ شَرَائِعِ دِينِهِمْ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ فِيمَنْ اعْتَقَدَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا بَعْضَ الْمَذَاهِبِ الْمُوجِبَةِ لِإِكْفَارِ مُعْتَقِدِيهَا: إنَّ الْحُكْمَ بِإِكْفَارِهِ لَا يَمْنَعُ أَكْلَ ذَبِيحَتِهِ وَمُنَاكَحَةَ الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ إذَا كَانُوا مُنْتَسِبِينَ إلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَفَرُوا بِاعْتِقَادِهِمْ لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ؛ إذْ كَانُوا فِي الْجُمْلَةِ مُتَوَلِّينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مُنْتَسِبِينَ إلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ، كَمَا أَنَّ مَنْ انْتَحَلَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَسِّكًا بِجَمِيعِ شَرَائِعِهِمْ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:"وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ) إهـ أحكام القرآن للإمام الجصاص.
يقول الشيخ محماس بن عبد الله الجعلود: (أما كيفية التعامل مع من يتولى الكفار أو يواليهم من الأفراد في القضايا الخاصة مثل أكل الذبائح التي يذبحها من يتولى الكفار، أو التزوج بالنساء اللاتي يوالين الكفار، أو تزويج الرجال الذين يتولون الكفار، فقد اختلف العلماء في ذلك. هل يحكم بردة من يتولى الكفار فيعامل معاملة المرتدين في أكل الذبائح وفي حكم الزواج، أم يلحق بمن تولاهم من الكفار؟.
فإن تولى اليهود فحكم التعامل معه حكم التعامل مع اليهود، وإن تولى النصارى فحكم التعامل معه حكم التعامل مع النصارى، وإن تولى الشيوعيين أو الوثنيين فحكمه حكمهم.
ومرجع الاختلاف في ذلك هو الاختلاف في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال هي:-
(يُتْبَعُ)