فهرس الكتاب

الصفحة 6090 من 20085

ثم إنه مع هذه السهولة في الأحكام، إذا عرض للعبد بعض الأعذار التي تعجزه أو تشق عليه مشقة شديدة؛ خفف عنه تخفيفا يناسب الحال، فيصلي المريض الفريضة قائما، فإن عجز قاعدا أو نائما ويوميء بالركوع والسجود، ويصلي بطهارة الماء، فإن شق عليه صلى بالتيمم، وإن كان مسافرا جمع بين الظهرين والعشاءين ... إلخ. وتأتي في الفصل الثاني بعض الفروع الفقهية التي بنيت على هذه القاعدة بإذنه تعالى (3) .

الهوامش:

(1) "القواعد الفقهية"ص39، 40، 41 ملخصا.

(2) "القواعد والأصول الجامعة"ص29، 30، ببعض تصرف ..

(3) "القواعد والأصول الجامعة"ص29، 30، ببعض تصرف ..

-يتبع-

ـ [حمزة الكتاني] ــــــــ [09 - May-2008, صباحًا 06:32] ـ

الفصل الأول

تأصيل القاعدة من الناحية الشرعية، وأقوال الفقهاء في ذلك

هذه القاعدة أصل عظيم من أصول الشريعة، بحيث جميع رخص الشريعة وتحقيقاتها متفرعة عنها، وقد تضافرت الآيات والأحاديث والأخبار على الاستدلال لها وتعضيدها (1) ، فهي من القواعد المأخوذة من النصوص الشرعية المعللة.

فمن القرآن الكريم: قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . [البقرة/ 185] ، وقال جل جلاله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} . [البقرة/ 286] ، وقال عز أمره: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} . [الطلاق/ 7] ، وقال سبحانه: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} . [الحج/ 78] ، وقال عز من قائل: {فاتقوا الله ما استطعتم} . [التغابن/ 16] . وغير ذلك من الآيات الكثار.

ووجه الدلالة في تلك الآيات: أن الشريعة الإسلامية تتوخى دائما رفع الحرج عن الناس، وليس في أحكامها ما يجاوز قوى الإنسان الضعيفة، وهذه النصوص دلت على ذلك لعموم معناها، وانطلاقا منها استنبط الفقهاء تلك القاعدة، وجعلوها بمثابة نبراس يستضيئون به عند النوازل والوقائع، ويعالجون كثيرا من المسائل والقضايا على أساسها (2) .

أما من الحديث النبوي؛ فقد تضافرت الأحاديث والآثار على هذا المعنى، تارة تصريحا، وتارة تلميحا، ولا أوضح من ذلك تسمية الشريعة بالشريعة السمحة، أي: شريعة التسامح، واليسر، وعدم التكليف بما لا يطاق.

وقد جاء في حديث أسامة بن شريك التغلبي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فجاءته الأعراب من جوانب تسأله عن أشياء، فقالوا: هل علينا حرج من كذا؟. فقال:"عباد الله؛ وضع الله الحرج إلا امرأ اقترض امرءا ظلما، فذاك يحرج ويهلك".

بل عقد البخاري رحمه الله بابا في صحيحه بعنوان"الدين يسر"، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"، وتناول فيه ما روي عن أبي هريرة مرفوعا:"إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة" (3) .

قال الحافظ ابن حجر في شرحه:"وسمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله، لأن الله وضع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له: أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم. وتوبة هذه الأمة: بالإقلاع والعزم والندم" (4) .

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه مرفوعا:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (5) .

وروى البخاري - أيضا - عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون" (6) ..

فدلت هذه الآيات والأحاديث على أن التيسير ركن من أركان الدين، وقاعدة أساسية تلازم كافة الأحكام الشرعية، فمتى وجدت المشقة وجد معها التيسير، غير أن المشقة يجب أن تكون حقيقية لا ظنية، مشقة مقبولة شرعا، لا مشقة دلال واستهتار وركون إلى الدعة.

الفصل الثاني

نموذج من التطبيقات الفقهية لهذه القاعدة

لقد دلت الآيات والأحاديث السابقة على أن الشارع قصد إلى التيسير، وجعل دعوته إليه على ثلاثة أوجه:

1 -فبعضها يتناول يسر هذا الدين وسماحته، ورفع الحرج عن العباد.

2 -وقسم منها يتعرض لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتخفيف، ونهي الناس عن التعمق والتشديد.

3 -وباقيها في بيان ما ترك صلى الله عليه وآله وسلم من بعض القرب خشية المشقة (7) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت