فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
غريبا؟ قال: كما يقال للرجل في حي كذا وكذا إنه لغريب"وفي رواية انه سئل عن الغرباء قال"الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي"."
وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول الاسلام وآخره، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، وفي جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسما، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكما، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته اسلافها، من الآراء المنحرفة، والنحل المخترعة، والمذاهب المبتدعة، فحين قام فيهم صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا في وجه صوابه بالإفك، ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة، ونابذهم في النحلة كل محال، ورموه بأنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق، الذي لم يجربوا عليه قط خبرا بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر، و في علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون: إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله، وبراءته من مس الشيطان وخبله، وإذ دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له، قالوا:"أجعل الآلهه إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" [ص: 5] ، مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة لصادقة:"فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين" [العنكبوت: 65] وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة، أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه، وقالوا:"أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد" [ق: 3] وإذا خوفهم نقمة الله، قالوا:"اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" [الأنفال: 32] اعتراضا على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة، وإذا جاءهم بآية خارقه افترقوا في الضلالة على فرق، واخترقوا فيها بمجرد العناد مالا يقبله أهل التهدى إلى التفرقة بين الحق والباطل، كل ذلك دعاء منهم إلى التأسي بهم والموافقة لهم على ما ينتحلون، إذا رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم ردا لما هم عليه، ونبذا لما شدوا عليه يد الظنة، واعتقدوا إذا لم تمسكوا بدليل أن الخلاف يوهن الثقة ويقبح جهة الاستحسان، وخصوصا حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء. ولذلك اخبر الله تعالى عن ابراهيم عليه السلام في محاجة قومه:"ما تعبدون؟ قالوا: نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال: هل يسمعونكم إذ تدعون؟ أو ينفعونكم أو يضرون؟ قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" [الشعراء: 70 - 74] فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد، مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء [2] . وقال الله تعالى:"أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون" [الزخرف: 21 - 22] فرجعوا عن جواب ما ألزموا إلى التقليد، فقال تعالى:"قال أولوا جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم" [الزخرف: 24] فأجابوا بمجرد الإنكار، ركونًا إلى ما ذكروا من التقليد لا بجواب السؤال.
فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم، لأنه خرج عن معتادهم، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم، حتى أرادوا ان يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم، ليوقعوا بينهم وبين المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات، أو في بعض الأحوال، أو على بعض الوجوه، ويقنعوا منه بذلك ليقف لهم بتلك الموافقه واهى بنائهم، فأبى صلى الله عليه وسلم إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله:"قل يا ايها الكافرون لا أعبد ما تعبدون"إلى آخر السورة، فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة، ورموه بسهام القطيعة، وصار أهل السلم كلهم حربا عليه، عاد الولى الحميم عليه كالعذاب الأليم، فأقربهم إليه نسبا كان أبعد الناس عن موالاته، كأبي جهل وغيره، وألصقهم به رحمًا كانوا أقسى قلوبا عليه، فأي غربة توازي هذه الغربة؟ ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه، ولا سلطهم على النيل من أذاه، إلا نيل المصلوفين، بل حفظه وعصمه، وتولاه بالرعاية والكلاءة، حتى بلغ رسالة ربه.
(يُتْبَعُ)