فهرس الكتاب

الصفحة 6149 من 20085

ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها، وعلى توالى تقريرها تبعد بين أهلها وبين غيرهم، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا، ولكن على وجه من الحكمة عجيب، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل، ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم ابراهيم عليه السلام، و في غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم، كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الانبياء:"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" [الأنعام: 90] وقوله تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين" [الشورى: 13] .

وما زال صلى الله عليه وسلم يدعو لها، فيؤوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء، خوفا من عادية الكفار، زمان ظهورهم على دعوة الإسلام، فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا، وقاموا وقعدوا، فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيلة فحموه على إغماض، أو على دفع العار في الإخفار. ومنهم من فر من الإذاية وخوف الغرة، هجرة إلى الله وحبا في الاسلام. ومنهم من لم يكن له وزر يحميه، ولا ملجأ يركن إليه، فلقي منهم من الشدة والغلظة والعذاب او القتل ما هو معلوم، حتى زل منهم من زل فرجع امره بسبب الرجوع إلى الموافقة، وبقي منهم من بقي صابرا محتسبا، إلى أن أنزل الله تعالى الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم الموافقة ظاهرًا، ليحصل بينهم وبين الناطق الموافقة، وتزول المخالفة، فنزل اليها من نزل على حكم التقية، ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه، وقلبه مطمئن بالإيمان. وهذه غربة أيضا ظاهرة، وإنما كان هذا جهلا منهم بمواقع الحكمه، وأن ما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم هو الحق ضد ما هم عليه، فمن جهل شيئا عاداه، فلو علموا لحصل الوفاق، ولم يسمع الخلاف، ولكن سابق القدر حتم على الخلق ما هم عليه قال الله تعالى:"ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك" [هود: 118 - 119] .

ثم استمر تزيد الإسلام، واستقام طريقه على مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعد موته، وأكثر قرن الصحابة رضي الله عنهم، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة كبدعة القدر وبدعة الخوارج وهي التي نبه عليها الحديث بقوله:"يقتلون أهل الإسلام ويدعون اهل الأوثان يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم" [3] يعني لا يتفقهون فيه، بل يأخذونه على الظاهر: كما بينه حديث ابن عمر الاتي بحول الله. وهذا كله في آخر عهد الصحابة.

ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى الله عليه وسلم في قوله:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" [4] وفي الحديث الآخر:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟" [5] ، وهذا أعم من الأول فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء وهذا الثاني عام في المخالفات، ويدل على ذلك من الحديث قوله:"حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم".

و كل صاحب مخالفة فمن شأنه أن يدعو غيره إليها، و يحض سؤاله بل سواه عليها، إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه [6] في الجبلة، وبسببه تقع من المخالف المخالفة، وتحصل من الموافق المؤالفة، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين.

كان الاسلام في أوله وجدته مقاوماُ بل ظاهراُ، وأهله غالبون وسوادهم أعظم الأسودة، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين، فلم يكن لغيرهم ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها، ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون، فصار على استقامة وجرى على اجتماع واتساق، فالشاذ مقهور مضطهد، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود، وقوته إلى الضعف المنتظر، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده، واقتضى سر التأسي المطالبة بالموافقة ولا شك أن الغالب أغلب، فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء، فتفرق أكثرهم شيعًا. وهذه سنة الله في الخلق: إن أهل الحق في جنب اهل الباطل قليل لقوله تعالى:"وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" [يوسف: 103] وقوله تعالى:"و قليل من عبادي الشكور" [سبأ: 13] و لينجز

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت