فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الله ما وعد به نبيه صلى الله عليه وسلم من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا وتصير السنة بدعة، والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف، كما كان أولا يقام على أهل البدعة طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها - على كثرتها - على مخالفة السنة عادة وسمعا، بل لا بد أن تثبت جماعة اهل السنة حتى يأتى أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناضبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم، لا يزالون في جهاد ونزاع، و مدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم.
فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالف بالموافقة [7] جار مع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان، فمن وافق فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان، ومن خالف فهو المخطئ المصاب، ومن وافق فهو المحمود السعيد، ومن خالف فهو المذموم المطرود، ومن وافق فقد سلك سبيل الهداية، ومن خالف فقد تاه في طرق الضلالة والغواية.
وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره. وذلك أني - ولله الحمد - لم أزل منذ فتق للفهم عقلي ووجه شطر العلم طلبي، انظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه لم أقتصر منه على علم دون علم، ولا أفردت عن أنواعه نوعا دون آخر، حسبما اقتضاه الزمان والإمكان، وأعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة، وأقدمت في ميادينه إقدام الجرئ، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه، أو أنقطع في رفقتي، التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي، غائبا عن مقال القائل وعذل العاذل، ومعرضا عن صد الصاد ولوم اللائم، إلى أن من علي الرب الكريم، الرءوف الرحيم، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي وألقى في نفسي القاصرة أن كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول ولا أبقيا لغيرهما مجالا يعتد فيه، وإن الدين قد كمل، و السعادة الكبرى فيما وضع، و الطلبة فيما شرع، و ما سوى ذلك فضلال وبهتان، و إفك وخسران، و أن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى، محصل لكلمتي الخير دنيا وأخرى، و ما سواهما فأحلام وخيالات و أوهام، و قام لي على صحة ذلك البرهان الذي لا شبهة تطرق حول حماه، و لا ترتمي نحو مرماه،"ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون" [يوسف: 38] والحمد لله والشكر كثيرا كما هو أهله. فمن هنالك قوت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه، فابتدأت بأصول الدين عملا واعتقادا، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول [8] ، وفي خلال ذلك أبين ما هو من السنن أو من البدع، كما أبين ما هو من الجائز و ما هو من الممتنع، وأعرض ذلك على علم الأصول الدينية و الفقهية، ثم أطلب نفسي بالمشي مع الجماعة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم"بالسواد الأعظم" [9] ، في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه وترك البدع التي نص عليها العلماء أنها بدع وأعمال مختلفة.
و كنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ونحوها فلما أردت الاستقامه على الطريق، وجدت نفسي غريبا في جمهور أهل الوقت لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها الأصليه شوائب من المحدثات الزوائد [10] ، ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنه المتقدمة، فكيف في زماننا هذا فقد روى عن السلف الصالح من التنبيه على ذلك كثير، كما روى عن أبي الدرداء أنه قال: لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الاوزاعي هذا الزمان؟
وعن أم الدرداء قالت: دخل ابو الدرداء وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعًا.
(يُتْبَعُ)