فهرس الكتاب

الصفحة 6151 من 20085

وعن أنس بن مالك قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قولكم: لا إله إلا الله. قلنا: بلى يا أبا حمزة؟ قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وعن انس قال: لو أن رجلًا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الاسلام شيئاُ، قال و وضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله على ذلك لمن عاش في النكر ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله من ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح، يسأل عن سبلهم، و يقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعوض أجرًا عظيمًا، وكذلك فكونوا إن شاء الله.

و عن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة.

وعن سهل بن مالك عن أبيه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، إلى ما أشبه هذا من الآثار الداله على أن المحدثات تدخل في المشروعات، و أن ذلك قد كان قبل زماننا، وإنما تتكاثر على توالى الدهور إلى الآن.

فتردد النظر بين - أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل - و بين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذا بالله من ذلك، إلا أني أوافق المعتاد، وأعد من المؤالفين، لا من المخالفين [11] ، فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا [12] ، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت على القيامة، وتواترت علي الملامة، و فوق إلي العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة، و إني لو التمست لتلك المحدثات مخرجا لوجدت، غير أن ضيق العطن، والبعد عن أهل الفطن، رقى بي مرتقى صعبا وضيق علي مجالًا رحبًا، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات، لموافقات العادات، أولى من اتباع الواضحات، وإن خالفت السلف الأول [**] .

و ربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب، أو خرجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى إلى بعض الناس، بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة. وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء.

وتارة نسبت إلى الرفض [13] وبغض الصحابة رضي الله عنهم، بسبب اني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص، إذ لم يكن ذلك شأن من السلف في خطبهم، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب. و قد سئل (أصبغ) عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين فقال: هو بدعة ولا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة. قيل له: فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه، وإما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته دائما فإني أكره ذلك. و نص أيضا عز الدين بن عبد السلام: على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة.

و تارة أضيف إلى القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكرى لهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم.

و تارة أحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه، وإن كان شاذا في المذهب الملتزم أو في غيره وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب (الموافقات) .

و تارة نسبت إلى معاداة أولياء الله [14] ، و سبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين - بزعمهم - لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبّهوا بهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت