فهرس الكتاب

الصفحة 6215 من 20085

السبب الأول: بما أن التوفيق وتثبيت القلوب لا يملكه ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنما هو بيد الله وحده، فكان حقا على المؤمن أن يلتجأ إلى ربه عز وجل ويستعين به وحده ويتضرع إليه في أوقات الإجابة في طلب الثبات على الحق والنجاة من الفتن وتفريج الكروب وأن يتوكل على الله عز وجل وحده ويتبرأ من الحول والقوة والله سبحانه لا يرد دعوة الصادق المضطر. والمتأمل في أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم يرى أمرًا عجبًا في طلبه الهداية والثبات مع أنه رسول الهداية المعصوم من ربه عز وجل، ومن هذه الأدعية الجامعة قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك) وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدني وسددني) وقوله صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة التهجد كل ليلة: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وقوله صلى الله عليه وسلم يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والأنس يموتون)

السبب الثاني: العلم الشرعي والبصيرة في الدين. لأن في ذلك باب إلى معرفة الحق والاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم. وكلما كان العبد مطمئنًا إلى طريقه وأنه حق مشروع يحبه الله عز وجل كان ذلك من أسباب ثباته وبقائه عليه كما أن في العلم بالشرع سدًا لباب الشبهات التي هي من أسباب الفتنة والانحراف لأن الشبهات لا تنطلي على أهل العلم وإنما يروج سوقها في الأوساط الجاهلة أو قليلة البضاعة من العلم الشرعي.

وهناك ثمرة عظيمة من ثمار العلم والبصيرة في الدين لها أثر كبير في الثبات على الدين والتسلية عند الشدائد ألا وهي ثمرة العلم بأشرف معلوم وأجله وأكرمه ألا وهو العلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته. هذا العلم العظيم الذي نحن في غفلة عنه مع أنه علاج لكثير من أمراض القلوب ومساوئ الأخلاق.

وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (لا سعادة للعباد، ولا صلاح لهم، ولا نعيم إلا بأن يعرفوا ربهم ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتعرف إليه قرة عيونهم .. ومتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالًا من الأنعام. وكانت الأنعام أطيب عيشًا منهم في العاجل، وأسلم عاقبة في الآجل .. )

وقال أيضًا: (إن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه. ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده والإنابة إليه والطمأنينة بذكره. والأنس بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله ولو تعوض عنها بما تعوض في الدنيا)

وقال العز بن عبد السلام: (فهم معاني أسماء الله تعالى وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات) .

وعلى سبيل المثال فعندما يتعبد العبد لربه سبحانه وبخاصة في أوقات الشدائد باسمه سبحانه (العليم، الحكيم) فإن هذا يثمر في القلب طمأنينة وحسن ظن بالله تعالى وتسليمًا لأمره القدري والشرعي، ذلك لأن مقتضى هذين الاسمين الكريمين أن شيئًا في هذا الكون لا يحدث إلى بعلم الله سبحانه وحكمته وعدله وقدره. وعندما يشهد المؤمن أسماءه سبحانه (اللطيف) ، (الرحيم) ، (البر) فإن هذا الشهود يثمر في قلب العبد محبة لله تعالى ورجاء ورَوْحًا، ذلك أن من معاني (اللطيف) أنه الرفيق الذي يسوق لعبده الخير من حيث لا يشعر بل من حيث يكره. وهكذا في بقية أسماء الله عز وجل الحسنى التي أمرنا الله سبحانه أن ندعوه بها ونتعبد له بها

السبب الثالث: الإخلاص لله تعالى في الطريق والأمر الذي دخل فيه لأن الذي يبتغي وجه الله عز وجل والدار الآخرة لا تراه إلا ثابتًاَ على طريقة لا تغريه مطامع الدنيا ولا يغيره ترغيب ولا ترهيب. والإخلاص عمل قلبي يحتاج إلى يقظة ومعاهدة وتربية ليس هنا محل تفصيلها. وإنما المقصود الإشارة إلى أهمية الإخلاص وأثرة في الثبات والعكس من ذلك فإن ضعفه يقود إلى الاضطراب والانحراف وترك الحق عند أدنى شدة وابتلاء.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت