ومصداق ذلك جلي في ما قصه الله عز وجل علينا في كتابه الكريم من البلاء العظيم الذي تعرض له أنبياؤه عليهم الصلاة والسلام في أنفسهم ومع أقوامهم.
والآيات والأحاديث الواردة في حتمية الابتلاء كثيرة تفيد بمجموعها أن الابتلاء سنة إلهية مطردة لا تتخلف ولكن الابتلاء تختلف صوره فمن الناس من يبتلى بالخير ومنهم من يبتلى بالشر حسب علم الله عز وجل وحكمته. قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء35.
والابتلاء بالمصائب والمكروهات على نوعين:
1 -ابتلاء تكفير وتنبيه على ذنوب وأخطاء وقد يكون أجرًا ورفعة في الدرجات كما هو شأن الأنبياء والصديقين، وهذا في الغالب يكون على مستوى الأفراد.
2 -ابتلاء اختبار وتمييز للخبيث من الطيب، وهذا يكون في الغالب على مستوى الجماعة.
وكلا النوعين فيهما خير ومصلحة للمصابين بها، فالابتلاء الذي للتكفير والتنبيه على الأخطاء والمخالفات فيه خير للمبتلى حيث تحط عنه خطاياه ويراجع نفسه في المنهج الذي هو سائر عليه، فلربما كان فيه من المخالفات ما كان سببًا في هذا الابتلاء وفي ذلك خير لأنه لو لم يكن البلاء لتمادي الخطأ بصاحبه ولم ينتبه له.
والابتلاء الذي فيه اختبار وتمييز الخبيث من الطيب فيه مصلحة عظيمة، وذلك في تمييز صحيح الإيمان وصادقه من ضعيفه وفيه فضح للمنافقين وتثبيت للمؤمنين الصادقين وزيادة صلابة لإيمانهم، وفي ذلك خير عظيم ولولا هذا النوع من الابتلاء لادعى كل إنسان صدق الإيمان وقوته واختلط المنافق بالمؤمن الصادق. قال الله عز وجل: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} آل عمران179
وقال سبحانه: {الم , أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ, وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} العنكبوت3
وقد ذكر الله عز وجل هذين النوعين من الابتلاء في آيتين متتاليتين في سورة آل عمران بعد الهزيمة التي حصلت للمسلمين في غزوة أحد حيث قال الله عز وجل: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} آل عمران165
وهذا هو النوع الأول من الابتلاء المشار إليه سابقًا، حيث ذكر الله عز وجل أن هذا القرح الذي أصاب المسلمين في غزوة أحد بسبب ذنوبهم وذلك عندما خالف الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر عز وجل بعد هذه الآية النوع الثاني من الابتلاء الذي هو للاختبار والتمييز فقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ , وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} آل عمران167.
وهذا هو النوع الثاني من الابتلاء حيث كان سببًا في اختبار الناس وتمييز المؤمن الصابر من المنافق وفي كلا هذين النوعين من الابتلاء مصلحة عظيمة للمؤمنين حيث يكفر الله عز وجل به سيئاتهم ويوقفهم على أخطائهم وزلاتهم لكي لا يعودوا إليها مرة أخرى. كما أن فيه مصلحة للصف المسلم وذلك بتنقيته من المنافقين وأصحاب القلوب المريضة الذين هم شوكة في حلوق المؤمنين وسبب في الفتنة وتأخير لنصر الله عز وجل. ولا يُعرفون وينكشفون إلا في الشدائد
ذكر بعض الأسباب التي يثبت الله عز وجل بها أولياءه عند الشدائد:
(يُتْبَعُ)